FameBlogs

ليس كل رحيل هزيمة

اعتاد الناس أحيانًا أن ينظروا إلى الرحيل باعتباره خسارة، وإلى البقاء باعتباره انتصارًا. فإذا غادر شخص علاقة قيل إنه لم يستطع التحمل، وإذا انسحب من مكان قيل إنه فشل، وإذا ابتعد عن شخص قيل إنه خسر المعركة. لكن الحياة أكثر تعقيدًا من هذه النظرة البسيطة؛ فهناك رحيل يكون شجاعة، وهناك بقاء يكون خوفًا، وهناك انسحاب يحفظ للإنسان ما تبقى من كرامته وراحته. ليس كل مكان يستحق أن نبقى فيه، وليس كل علاقة يجب أن تستمر إلى النهاية. الإنسان يتغير، والظروف تتغير، والقلوب تتغير، وما كان مناسبًا في مرحلة من الحياة قد يصبح مؤذيًا في مرحلة أخرى. لذلك لا ينبغي أن يقيس الإنسان نجاحه بعدد الأبواب التي استطاع البقاء خلفها، وإنما بقدرته على معرفة الباب الذي يجب أن يغلقه عندما يصبح الاستمرار مؤلمًا بلا فائدة. الرحيل لا يعني دائمًا أنك لم تحب. قد ترحل لأنك أحببت نفسك بما يكفي حتى لا تستمر في شيء يستنزفها. وقد تبتعد لأنك أدركت أن كثرة العتاب لن تغير الواقع. وقد تختار الصمت لأنك فهمت أن بعض النقاشات لا تبحث عن الحقيقة، وإنما عن الانتصار. هناك فرق بين أن ترحل غاضبًا وأن ترحل مقتنعًا. الغاضب يريد أن يجعل رحيله رسالة، يريد أن يشعر الطرف الآخر بالخسارة، وربما ينتظر منه أن يركض خلفه. أما الإنسان الذي اتخذ قراره بوعي، فلا يجعل رحيله اختبارًا للآخرين. لا يراقب من بعيد، ولا يحسب عدد الأيام حتى تأتي رسالة، ولا يبحث عن أخبار من تركه. إن أصعب أنواع الرحيل هو ذلك الذي يحدث والقلب ما زال يحمل شيئًا من المحبة. ولكن الإنسان الناضج يعرف أن المحبة وحدها ليست دائمًا سببًا كافيًا للاستمرار. فالعلاقة تحتاج إلى احترام وأمان وصدق وتوازن، وليس إلى مشاعر فقط. قد تحب إنسانًا، ومع ذلك تعرف أن قربك منه لم يعد مناسبًا لك. والرحيل المحترم لا يحتاج إلى فضائح. ليس مطلوبًا أن تجمع أخطاء الطرف الآخر في قائمة ثم تنشرها لتثبت أنك صاحب الحق. وليس من الضروري أن تخبر الجميع بكل ما حدث حتى تحصل على تعاطفهم. أحيانًا يكون حفظ التفاصيل جزءًا من حفظ النفس، لأن الإنسان حين ينشغل بإثبات أنه تعرض للأذى، قد يبقى أسيرًا لذلك الأذى وقتًا أطول. ومن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان عندما يرحل أن يترك الحساب لله. ليس معنى ذلك أن يتنازل عن حقوقه إن كان له حق، وإنما أن لا يجعل الانتقام مشروع حياته. هناك فرق بين استرداد الحق بالطرق المشروعة وبين تحويل القلب إلى مكان دائم للغضب. قال الله عَنِ ﴾. فالقوة ليست دائمًا في أن ترد على كل كلمة، أو تكشف كل خطأ، أو تنتصر في كل خلاف. أحيانًا تكون القوة في أن تملك القدرة على الرد ثم تختار ما هو أهدأ وأكرم. قد يظن البعض أن الذي يغادر خسر، بينما الحقيقة أنه ربما استعاد نفسه. فقد يكون الإنسان طوال سنوات يحاول إصلاح علاقة لا يريد الطرف الآخر إصلاحها، أو يبرر تصرفات لا تستحق التبرير، أو ينتظر اهتمامًا لا يأتي. ثم يأتي يوم يفهم فيه أن أكبر خسارة كانت أن يظل واقفًا أمام باب مغلق. الرحيل في هذه الحالة ليس هزيمة، بل اعتراف بالحقيقة. والاعتراف بالحقيقة يحتاج إلى شجاعة أكبر من الاستمرار في الوهم. لكن الرحيل لا يعني القسوة. المؤمن حين يفارق، يفارق بأدب. لا يظلم، ولا يتعمد التشهير، ولا يتتبع العثرات، ولا يحول الماضي إلى سلاح. يمكن للإنسان أن يغادر دون أن يكره، وأن يبتعد دون أن ينتقم، وأن ينهي علاقة دون أن يتمنى الشر لمن كان جزءًا منها. وفي النهاية، ليست كل نهاية مأساة. بعض النهايات تنقذك من البداية.
11 مشاهدة

هذا المنشور جزء من حديث على FameBlogs

النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

وردت في 7 منشورات من كاتبين

مجاني على Google Play · لأجهزة Android

اقرأ أيضًا

FameBlogsللحديث بقية في التطبيق حمّل