هناك حقيقة قاسية في الحياة نحتاج أحيانًا إلى فهمها حتى لا نقضي سنوات طويلة في انتظار عدالة لا تعمل بالطريقة التي نتخيلها: الطبيعة الاستحقاق الأخلاقي.
نحن البشر نعيش داخل منظومة من القيم. نعلّم أبناءنا أن الصدق أفضل من الكذب، وأن مساعدة الآخرين أفضل من إيذائهم، وأن الظلم شيء مرفوض، وأن الإنسان الطيب يستحق الخير. وهذه المبادئ ضرورية حتى تستقيم الحياة بين الناس، لكنها تصبح مصدرًا للخيبة عندما نفترض أن الكون نفسه يعمل بالطريقة ذاتها.
قد يكون الإنسان صادقًا، ثم يخسر عمله. وقد يكون رحيمًا، ثم يمرض. وقد يكرّس سنوات من حياته لخدمة الآخرين، ثم يواجه ظروفًا لم يكن يتوقعها. وفي الجهة الأخرى، قد ترى شخصًا أنانيًا أو مؤذيًا يعيش فترة طويلة في راحة ونجاح. عندها يظهر السؤال الذي يرهق الإنسان: لماذا؟
لكن ربما السؤال نفسه مبني على افتراض غير صحيح.
المرض لا يدخل جسد الإنسان بعد أن يراجع أخلاقه. والعاصفة لا تختار المنازل بحسب أصحابها. والزلازل لا تبحث عن الظالم لتسقط فوقه، ولا تتجنب بيت الإنسان الطيب. والبرد والحر والجوع والعطش والتعب لا تملك دفترًا تسجل فيه من كان صالحًا ومن كان سيئًا.
الطبيعة لا تقول للإنسان: لقد كنت جيدًا، ولذلك سأعفيك من الألم.
وهذا لا يعني أن الخير بلا قيمة، ولا أن الشر لا عواقب له. الفرق مهم جدًا. الأخلاق تنظم علاقتنا ببعضنا، لكنها لا تغيّر قوانين الطبيعة. الإنسان الذي يظلم الآخرين قد يواجه عواقب اجتماعية وقانونية ونفسية، لكن هذه العواقب ليست قانونًا طبيعيًا يضمن أن كل شر سيُعاقب فورًا وكل خير سيُكافأ فورًا.
ولهذا فإن انتظار المكافأة لمجرد أنك شخص جيد قد يجعل الإنسان أكثر هشاشة أمام الحياة.
قد تفعل الصواب ولا تحصل على شيء في المقابل. قد تساعد شخصًا ثم ينساك. قد تكون مخلصًا وتنتهي رغم إخلاصك. قد تعمل بجد ثم تأتي ظروف اقتصادية أو صحية أو عائلية وتغير كل شيء. في هذه اللحظات، لا يكون السؤال المفيد دائمًا: «لماذا حدث هذا لي وأنا لم أؤذِ أحدًا؟»
قد يكون السؤال الأكثر فائدة: «ما الذي أستطيع فعله الآن؟»
هنا تظهر قيمة التكيّف.
التكيّف لا يعني أن تصبح قاسيًا، ولا أن تتخلى عن مبادئك، ولا أن تتحول إلى شخص أناني حتى تنجو. التكيّف يعني أن تفهم الواقع كما هو، لا كما تتمنى أن يكون. أن تعرف متى تصبر، ومتى تتراجع، ومتى تبدأ من جديد، ومتى تقبل خسارة شيء لم يعد قابلًا للإنقاذ.
يمكن للإنسان أن يبقى طيبًا دون أن يكون ضعيفًا. ويمكنه أن يكون رحيمًا دون أن يسمح للآخرين باستغلاله. ويمكنه أن يتمسك بمبادئه دون أن يرفض الاعتراف بأن الحياة قد تكون غير عادلة.
ربما هذه هي النقطة الأكثر نضجًا في فهم الحياة: لا تجعل أخلاقك شرطًا لأن تكون الحياة عادلة معك.
افعل الخير لأنه يمثل الإنسان الذي تريد أن تكونه، لا لأنك تعتقد أن الكون وقّع معك عقدًا يضمن لك مكافأته.
وعندما تأتي الظروف الصعبة، لا تسأل فقط عن سبب استحقاقك لها. اسأل أيضًا عما يمكنك أن تتعلمه منها، وما الذي تستطيع تغييره، أن تتقبله، وكيف تخرج منها أكثر قدرة على مواجهة ما سيأتي.
فالطبيعة لا تعدنا بأن الحياة ستكون عادلة.
لكن الإنسان يستطيع أن يختار، رغم قسوة الحياة، أي نوع من البشر سيكون وهو يواجهها.
17 مشاهدة