أن تكون إنسانًا طيبًا شيء جميل، لكن الطيبة وحدها لا تجعل الإنسان مستعدًا لكل ما يمكن أن تضعه الحياة أمامه.
هناك فرق بين أن تكون طيبًا وأن تكون ضعيفًا، وبين أن تكون رحيمًا وأن تكون عاجزًا عن حماية نفسك، وبين أن تمتلك قلبًا نقيًا وأن ترفض تعلم مهارات البقاء والتعامل مع الواقع.
أحيانًا يخلط الإنسان بين الأخلاق وبين الحياة. يظن أن حسن نيته يجب أن يكون كافيًا لحمايته من الخسارة، وأن صدقه يجب أن يجذب إليه الصادقين، وأن إخلاصه يجب أن يمنع الآخرين من خذلانه.
بهذه المعادلة.
يمكنك ويكذب عليك شخص آخر.
يمكنك أن تكون مخلصًا ويتركك شخص كنت تظن أنه سيبقى.
يمكنك أن تكون كريمًا ويستغل أحدهم كرمك.
يمكنك أن تكون مسالمًا ويضعك أحدهم في موقف تحتاج فيه إلى الدفاع عن نفسك.
وهنا لا يكون الحل أن تتخلى عن طيبتك، بل أن تضيف إليها شيئًا آخر: الوعي والقوة والقدرة على التمييز.
القلب الطيب يحتاج إلى عقل يعرف متى يعطي ومتى يتوقف. يحتاج إلى حدود تحميه من الاستنزاف. يحتاج إلى قدرة على قول «لا». يحتاج إلى معرفة أن بعض الناس لا يستجيبون للطيبة بالطيبة، وأن الثقة يجب أن تُبنى ولا تُمنح بلا حدود.
الطبيعة نفسها تقدم لنا درسًا بسيطًا في ذلك.
الكائن الذي يعيش في بيئة متغيرة يحتاج إلى التكيف. إذا تغيرت مصادر الطعام، يبحث عن مصدر آخر. إذا تغير الطقس، يبحث عن مأوى. إذا أصبح المكان خطرًا، ينتقل إلى مكان أكثر أمانًا. البقاء لا يعتمد على النية الحسنة، وإنما على القدرة على الاستجابة للظروف.
والإنسان، رغم امتلاكه عقلًا وثقافة وقيمًا، ليس منفصلًا تمامًا عن هذه الحقيقة.
قد تكون لديك مبادئ جميلة، لكنك تحتاج أيضًا إلى مهارات.
قد تكون محبًا للناس، لكنك تحتاج إلى معرفة الأشخاص الذين يستحقون ثقتك.
قد تكون مستعدًا للتضحية، لكنك تحتاج إلى معرفة متى تتحول التضحية إلى إلغاء للذات.
قد تكون مسالمًا، لكن عليك أن تعرف كيف تحمي حدودك.
قد تسامح، لكن ليس من الضروري أن تعيد الشخص نفسه إلى المكان الذي كان يحتله في حياتك.
هذه ليست قسوة.
إنها صورة أكثر نضجًا للطيبة.
فالإنسان الذي لا يستطيع حماية نفسه قد يتحول مع الوقت إلى شخص مليء بالمرارة، ليس لأنه كان طيبًا، بل لأنه أعطى أكثر مما يستطيع، وسمح للآخرين بتجاوز حدوده، ثم انتظر منهم أن يفهموا تلقائيًا مقدار ما قدمه.
ومن هنا يأتي الفرق بين الطيبة الواعية والطيبة التي بلا حدود.
الطيبة الواعية تقول: سأساعدك، لكنني لن أسمح لك بإيذائي.
تقول: سأعطيك فرصة، لكنني سأتعلم من أفعالك.
تقول: يمكنني أن أسامحك، لكن المسامحة لا تعني أنني ملزم بإعادة الثقة كما كانت.
وتقول أيضًا: لن أتحول إلى شخص سيئ لأنني اكتشفت أن العالم ليس مثاليًا.
ربما هذه هي إحدى أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من قسوة الحياة: لا تحتاج إلى أن تصبح شريرًا حتى تصبح قويًا.
القوة لا تعني غياب الرحمة.
والحذر لا يعني سوء الظن بالجميع.
والحدود لا تعني الكراهية.
والتكيّف لا يعني التخلي عن المبادئ.
يمكنك أن تحتفظ بإنسانيتك، وفي الوقت نفسه تتعلم كيف تقف على قدميك عندما تهتز الأرض من حولك.
فالطيبة تجعل حياتك أكثر إنسانية، لكن الوعي يجعلك أقل عرضة للاستغلال، والمرونة تساعدك على الاستمرار، والقوة تمنحك القدرة على حماية ما تؤمن به.
لذلك لا تجعل أحدًا يقنعك بأن عليك الاختيار بين أن تكون طيبًا أو قويًا.
كن طيبًا، لكن لا تكن سهل الانكسار. كن رحيمًا، لكن لا تتخلَّ عن حدودك. واحتفظ بقلبك، لكن تعلم كيف تحميه.