حين يصبح الضمير رقيبًا
في بداية حياة الإنسان الأخلاقية، يحتاج إلى كثير من الرقابة الخارجية. يخاف من العقوبة، ومن كلام الناس، ومن خسارة سمعته، ومن اكتشاف أخطائه. ومع مرور الوقت والنضج، يبدأ شيء مختلف في التشكل داخله؛ يصبح لديه رقيب لا يحتاج إلى وجود الآخرين.
إنه الضمير الذي يذكّره بأن بعض الأفعال خاطئة حتى لو لم يكتشفها أحد.
وهذه من أصعب مراحل النضج الأخلاقي، لأن الإنسان ينتقل فيها من مراقبة الآخرين له إلى مراقبته هو لنفسه. لم يعد السؤال: "هل سيراني أحد؟"، وإنما: "هل أستطيع أن أعيش مع نفسي بعد أن أفعل هذا؟"
وقد تكون هذه الرقابة الداخلية أقوى من أي رقابة خارجية. لأن القانون قد يمنع بعض الأفعال، والمجتمع قد يرفض بعضها، لكن هناك أمورًا يستطيع الإنسان أن يفعلها دون أن يخالف قانونًا أو يثير انتباه الناس، ومع ذلك يشعر في داخله أنها ليست جديرة به.
هنا تظهر قيمة المبادئ.
أن ترفض استغلال شخص لأنه أضعف منك. أن تحفظ الأمانة ولو لم يكن هناك من يستطيع اكتشاف خيانتك. أن تؤدي ما عليك ولو كان بإمكانك التهرب. أن تحترم غياب الإنسان كما تحترم حضوره. أن تذكر الخير عن شخص حين للدفاع عن نفسه أو سماعك.
كل هذه التفاصيل تبدو بسيطة، لكنها في مجموعها تصنع شخصية مختلفة.
والأجمل أن مراقبة الله تمنح هذه الأخلاق عمقًا أكبر؛ فالإنسان المؤمن لا يتعامل مع الخفاء باعتباره منطقة بلا حساب، وإنما يعرف أن ما يختفي عن الناس لا يختفي عن الله. ولذلك يصبح ترك بعض الرغبات عبادة خفية، ويصبح ضبط النفس موقفًا أخلاقيًا لا يعرف قيمته إلا صاحبه.
ولا يعني ذلك أن الإنسان يصبح بلا أخطاء. فالإنسان يضعف ويخطئ ويندم، لكن الفرق أن الأخلاق الحقيقية تجعله لا يتصالح مع خطئه لمجرد أنه استطاع إخفاءه. يعود إلى نفسه، يراجعها، ويصحح طريقه.
وكلما أصبح الإنسان أكثر صدقًا مع نفسه، قلّت صلاحه أمام الآخرين. لأنه يعرف أن القيمة ليست في الصورة التي يصنعها، بل في الحقيقة التي يعيشها.
عندما يصبح الضمير رقيبًا، تتغير تفاصيل كثيرة: الكلام، والوعود، والعلاقات، والاختيارات، وحتى طريقة التعامل مع الضعفاء. عندها لا تعود الأخلاق قناعًا يرتديه الإنسان أمام الناس، وإنما تصبح جزءًا من شخصيته، تظهر ، وفي علانيته وخلوته.
12 مشاهدة