قد يظن البعض أن الرحمة تعني أن تكون لطيفًا دائمًا، وأن تقدم المساعدة للآخرين، وأن تتحدث بكلمات جميلة. لكن الر…
قد يظن البعض أن الرحمة تعني أن تكون لطيفًا دائمًا، وأن تقدم المساعدة للآخرين، وأن تتحدث بكلمات جميلة. لكن الرحمة أوسع من ذلك بكثير. أحيانًا تكون الرحمة في شيء لم تفعله، وفي كلمة ابتلعتها، وفي حكم لم تطلقه، وفي سر لم تكشفه، وفي أذى كنت قادرًا عليه ثم قررت أن تمنعه عن إنسان آخر.
فالإنسان الواعي لا يسأل فقط: ماذا أريد أن أفعل؟ بل يسأل أيضًا: ماذا سيحدث للآخرين إذا فعلت؟
وهذا السؤال البسيط قادر على تغيير الكثير من التصرفات.
قد تكون غاضبًا، وتريد أن تقول كل ما في قلبك، لكنك تتذكر أن لحظة غضب قد تهدم علاقة طويلة. وقد تكون مجروحًا، وتملك معلومات عن شخص تستطيع استخدامها لإذلاله، لكنك تتراجع لأنك تعرف أن جرحك لا يعطيك الحق في ظلمه. وقد تختلف مع شخص في الرأي، فتدرك أن الاختلاف لا يحتاج إلى إهانة ولا إلى احتقار.
كلما ازداد وعي للأثر الذي يتركه في الآخرين.
فليس كل أذى مقصودًا، وقد تؤذي كلمة عابرة شخصًا يحمل أصلًا جرحًا لا تعرفه. وقد تستهين بموقف بالنسبة إليك، بينما يعني الكثير بالنسبة لشخص آخر. ولذلك فإن النضج يجعل الإنسان أكثر حذرًا في أحكامه، وأكثر لطفًا في كلماته، وأكثر قدرة على وضع نفسه مكان الآخرين.
لكن الرحمة بالناس لا تعني حدودك. فالإنسان الأخلاقي يستطيع أن يكون رحيمًا دون أن يكون ضعيفًا، وأن يعفو دون أن يسمح بتكرار الظلم، وأن يبتعد دون أن يتحول إلى عدو، وأن يضع حدودًا واضحة دون أن يحمل في قلبه رغبة في الإيذاء.
وهنا يظهر جمال الأخلاق؛ فهي لا تجعل الإنسان مستسلمًا، وإنما تجعله متزنًا.
أن تستطيع الرد ولا تظلم، وأن تستطيع الانتقام ولا تتجاوز، وأن تستطيع فضح الخطأ ولا تستغل ضعف صاحبه، وأن تستطيع الرحيل دون تشويه من تركته، كل ذلك يحتاج إلى قوة داخلية أكبر مما يحتاجه الصراخ والانفعال.
إن أعظم تهذيب للنفس أن يتعلم الإنسان كيف يملك مشاعره بدل أن تملكه. أن يصمت، متى يواجه ومتى يتجاوز، ومتى يبتعد دون أن يترك خلفه أذى.
وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، تصبح أخلاقه جزءًا من شخصيته لا موقفًا مؤقتًا. عندها لا يكون طيبًا لأن الناس يراقبونه، بل لأنه اختار أن يعيش بهذه الطريقة حتى في الأماكن التي لا يراه فيها أحد.
113 مشاهدة