FameBlogs

قد يظن البعض أن الرضا بالقدر يعني أن يتخلى الإنسان عن أحلامه، وأن يتوقف عن الطموح، وأن يقبل بأي واقع دون محاولة للتغيير. لكن الرضا في حقيقته أعمق من ذلك بكثير.

أن ترضى بقضاء الله لا يعني ألا تتمنى، ولا يعني ألا تسعى، ولا يعني أن تقول إنك لا تحزن عندما تفقد ما تحب. الإنسان بطبيعته يحب الخير ويسعى إليه، لكن المؤمن يعرف أن قدرته محدودة، وأن النتائج النهائية ليست كلها بيده. يمكنك أن تحلم، وتخطط، وتعمل، وتدعو الله أن يحقق لك ما تتمنى، وفي الوقت نفسه يكون في قلبك تسليم بأن اختيار الله مقدم على اختيارك. وهذا من أعظم أبواب الراحة. لأن الإنسان إذا اعتقد أن سعادته لا تكون إلا بتحقيق خطة محددة، أصبح أسيرًا لها. إذا لم تحدث، شعر أن حياته انتهت. أما إذا كان يقول: يا رب، هذا ما أتمناه، لكنني أثق باختيارك، فإنه يستطيع أن يسعى بقوة دون أن يتحطم إذا تغيرت النتيجة. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. والتوكل لا يعني ترك العمل، بل يعني أن يعمل الإنسان وقلبه متعلق بالله لا بالنتيجة وحدها. اسعَ إلى الزواج، لكن لا تجعل تأخره سببًا لاحتقار نفسك. ابحث عن العمل، لكن لا تجعل رفض وظيفة واحدة دليلًا على أن رزقك انتهى. ابنِ مشروعك، لكن إذا فشل فلا تعتبر نفسك فاشلًا إلى الأبد. تعلم، وحاول، وابدأ من جديد. فالطريق إلى الخير ليس دائمًا مستقيمًا. وقد تكون هناك أشياء كنت تظن أنك لن تعيش بدونها، ثم عشت بعدها. وربما ظننت أن شخصًا معينًا هو آخر فرصة للسعادة، ثم اكتشفت أن الله قادر على أن يبدلك من فضله. لا تجعل قلبك متعلقًا بالأسباب إلى درجة تنسى مسبب الأسباب. وفي كل مرحلة، قل لنفسك: سأبذل جهدي، وسأدعو الله، وسأرضى بما يقدره لي بعد أن أفعل ما أستطيع. وإذا لم تحصل على ما أردت، فلا تجعل ذلك سببًا لليأس. ربما يكون الطريق قد تغير، لكن الخير لم ينته. وربما تكون هناك فرصة أخرى، أو باب آخر، أو مرحلة أخرى، أو درس تحتاج إليه قبل الوصول. إن أعظم ما يمنحه الرضا للإنسان أنه لا يعيش في حرب دائمة مع الواقع. لا يقضي حياته في سؤال: لماذا حدث هذا لي؟ بل ينتقل إلى سؤال أكثر نفعًا: ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟ وهنا يبدأ التعافي الحقيقي. فالأقدار لا تحتاج منا أن نفهمها كلها حتى نطمئن، بل تحتاج إلى قلب يعرف أن الله حكيم رحيم، وأن الإنسان قد يرى جزءًا صغيرًا من الصورة بينما يعلم الله الصورة كاملة. احلم، لكن لا تتعلق بالحلم أكثر من تعلقك بالله. اسعَ، لكن لا تعبد النتيجة. ادعُ، لكن لا تستعجل. وإذا تغير الطريق، فغيّر خطتك دون أن تفقد إيمانك. فقد يكون نصيبك أجمل مما كنت تتخيل، وقد يكون الطريق إليه مختلفًا تمامًا عما رسمته في ذهنك. وما دام الله هو الذي تدعوه وتتوكل عليه، فامضِ مطمئنًا، وابذل ما تستطيع، واترك ما لا تستطيع لمن بيده الأمر كله.

اقرأ واكتب مع مجتمعFameBlogs

منصة عربية للتدوين والقصص: تابع كتّابك المفضلين، واكتب منشورك الأول، وشارك قصتك مع العالم.

مجاني على Google Play · لأجهزة Android

اقرأ أيضًا

FameBlogsللحديث بقية في التطبيق حمّل