التوكل على الله وترك كثرة التفكير
كثرة التفكير قد تجعل الإنسان يعيش المشكلة أكثر من مرة. يحدث موقف بسيط، ثم ينتهي، لكن العقل يستمر في إعادته وتحليله، ويبدأ الإنسان في طرح عشرات الاحتمالات: ماذا لو حدث كذا؟ ماذا كان يقصد؟ ماذا سيحدث غدًا؟ هل اتخذت القرار الصحيح؟ وهل كان يمكن أن أفعل شيئًا آخر؟
ومع الوقت يصبح الإنسان متعبًا من أشياء لم تحدث أصلًا.
وهنا تأتي قيمة التوكل على الله. قال تعالى: ﴿وَمَن حَسْبُهُ﴾. فالتوكل يمنح الإنسان توازنًا بين الأخذ بالأسباب وبين عدم استنزاف النفس في النتائج.
افعل ما تستطيع، ثم اترك ما لا تستطيع لله.
إذا أخطأت، فتعلم من خطئك ولا تعاقب نفسك إلى الأبد. وإذا أخطأ شخص في حقك، تعامل مع الأمر بالحكمة، ثم لا تجعل تصرفه يحتل كل مساحة تفكيرك. وإذا كنت أمام أمر مستقبلي، خذ أسبابه واستعن بالله، ثم لا تعش اليوم وكأنك مطالب بحل كل مشاكل الغد.
من المهم أن نفهم أن التوكل لا يعني ترك التخطيط. المسلم يستطيع أن يخطط، ويعمل، ويستشير، ويأخذ بالأسباب، لكنه يعرف أن النتائج ليست كلها بيده.
وهذا الفهم يخفف كثيرًا من الضغط النفسي. فأنت مسؤول عن سعيك، وعن قراراتك، وعن أخلاقك، وعن الطريقة التي تتعامل بها مع الناس، لكنك لست مسؤولًا عن التحكم في كل الظروف أو مشاعر الآخرين أو المستقبل.
قد تفعل ما تستطيع ثم لا تحصل على النتيجة التي أردتها. هنا يظهر معنى الرضا والتسليم لله. ليس بالضرورة أن تفهم الحكمة فورًا، لكن يمكنك أن تثق بأن الله يعلم ما لا تعلم.
ولا تجعل كثرة التفكير تجعلك تفسر كل تصرف من الآخرين. قد يكون الشخص مشغولًا، وقد يكون متعبًا، وقد تكون هناك أسباب لا تعرفها. لذلك لا تبنِ قصصًا كاملة على مجرد احتمال.
حسن الظن والتوكل لا يعنيان السذاجة، بل يعنيان ألا تجعل الشك والاحتمالات تسيطر على قلبك دون دليل.
عندما تشعر أن ذهنك أصبح مزدحمًا، عد إلى الأشياء التي تستطيع فعلها الآن. صلِّ، ادعُ الله، أنجز واجبك، ، واترك الباقي لله.
وتذكر أن يعيش مرتاحًا إذا حاول أن يضمن كل شيء. المستقبل بيد الله، والناس بيد الله، والنتائج بيد الله، وأنت عليك السعي والدعاء وحسن الاختيار.
لذلك لا تحمل نفسك فوق طاقتها. ما مضى انتهى، وما سيأتي لم يأتِ، وأنت تملك هذه اللحظة فقط. فاستعملها فيما ينفعك، واترك ما وراء قدرتك لمن بيده الأمر كله.
حين يطمئن القلب إلى الله، لا تختفي كل المشاكل، لكن طريقة التعامل معها تتغير. يصبح الإنسان أكثر هدوءًا، وأقل تعلقًا بالاحتمالات، وأكثر قدرة على أن يقول: بذلت ما أستطيع، واستعنت بالله، وما بقي فأمره إلى الله.
11 مشاهدة