الثبات على الحق وحسن الخاتمة
الحياة مليئة بالمواقف التي تتغير فيها الظروف وتتبدل فيها العلاقات وتتغير فيها المصالح. وما كان سهلًا بالأمس قد يصبح صعبًا اليوم، ومن كان قريبًا قد يبتعد، ومن كان مؤيدًا قد يغير موقفه. وبين كل هذه التغيرات يبقى السؤال الأهم: ماذا يبقى للإنسان عندما تتغير كل الأشياء؟
يبقى المبدأ، ويبقى أثر المواقف، ويبقى ما فعله الإنسان عندما كان قادرًا على الاختيار.
والثبات على الحق من أعظم الاختبارات التي يمر بها الإنسان؛ لأن الإنسان قد يعرف الحق، لكنه يحتاج إلى قوة داخلية حتى يستمر معه. قد يسمع كلامًا كثيرًا يدعوه إلى التنازل، وقد يخشى خسارة شخص أو فرصة، وقد يشعر أن السكوت أسهل من الكلام. وفي مثل هذه اللحظات يحتاج إلى أن يتذكر أن المواقف لا تُقاس فقط بسهولة اتخاذها، وإنما بقيمتها وأثرها.
ليس معنى الثبات أن الإنسان لا يغير رأيه أبدًا. بالعكس، من علامات الصدق أن يغير الإنسان موقفه عندما تظهر له الحقيقة. لكن الفرق كبير بين تغيير الموقف بسبب ظهور دليل جديد، وتغييره فقط لأن المصلحة تغيرت.
فالإنسان الذي يبحث عن الحق لا يخجل من الرجوع عن الخطأ. إذا اكتشف أنه ظلم شخصًا، اعتذر. وإذا اكتشف أنه نقل معلومة غير صحيحة، صححها. وإذا تبين له أن حكمه كان متسرعًا، تراجع عنه. هذه ليست هزيمة، بل شجاعة وأمانة.
والوقوف مع الحق يحتاج كذلك إلى الصبر. قد لا تظهر نتيجة الموقف الصادق بسرعة، وقد لا يفهم الآخرون سبب تصرفك، وربما يفسر بعضهم موقفك بطريقة خاطئة. أن يجعل حياته كلها مرتبطة برضا الآخرين.
وفي النهاية، ليس أعظم ما يحصل عليه الإنسان من الوقوف مع الحق أن يقول الناس عنه إنه شجاع أو صادق، وإنما أن يعيش وهو مطمئن إلى أنه حاول أن يكون عادلًا وصادقًا. مدح الناس يتغير، أما الإنسان الذي ينام مرتاح الضمير فقد كسب شيئًا عظيمًا.
ولذلك ينبغي أن ندعو الله دائمًا أن يمنحنا البصيرة والثبات. فالبصيرة تجعلنا نرى الحق، والثبات يجعلنا نستمر عليه، والحكمة تجعلنا نتعامل معه بطريقة لا تظلم الآخرين.
وقد يمر الإنسان بموقف يشعر فيه أنه وحيد، لكن الوحدة في موقف حق لا تعني أن الموقف بلا قيمة. المهم ألا يتحول الإنسان إلى ظالم وهو يدعي الدفاع عن الحق، وألا يستخدم الحق ذريعة للإساءة أو الانتقام أو التكبر.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الصدق والعدل، وأن يرزقنا الثبات عندما تكثر الضغوط، وأن يجعلنا عونًا للمظلوم لا عونًا على الظلم، وأن يرزقنا حسن الخاتمة، وأن نلقاه بقلوب لم تبع الحق من أجل دنيا زائلة.
البصيرة، والحمد لله على نعمة الضمير، والحمد لله على كل موقف علّمنا أن المبادئ الحقيقية تظهر عندما يصبح الالتزام بها صعبًا.
13 مشاهدة