من أكثر العلامات التي تكشف الخسة في الإنسان قدرته على تغيير مواقفه وشخصيته بحسب الأشخاص والظروف. فهناك فرق بي…
من أكثر العلامات التي تكشف الخسة في الإنسان قدرته على تغيير مواقفه وشخصيته بحسب الأشخاص والظروف. فهناك فرق بين المرونة التي يحتاجها الإنسان في حياته، وبين التلون الذي يجعله يتخلى عن مبادئه كلما ظهرت له مصلحة جديدة. المرونة تعني أن تفهم الآخرين وتختار الأسلوب المناسب للتعامل معهم، أما التلون فيعني أن تصبح بلا موقف ثابت، وأن تقول لكل شخص ما يريد سماعه طالما أن وراء ذلك منفعة.
الشخص المتلون قد يمدح شخصاً في حضوره ثم ينتقص منه في غيابه، وقد يعلن تمسكه بمبدأ معين عندما يكون ذلك المبدأ في مصلحته، ثم يتخلى عنه عندما تتغير الظروف. وهو لا يرى في هذا تناقضاً، لأن معيار الصواب عنده ليس الحقيقة أو الأخلاق، وإنما مقدار ما سيحصل عليه من وراء موقفه.
وتزداد الخسة وضوحاً عندما يقلب الإنسان علاقاته إلى أدوات لتحقيق مصالحه. يقترب ممن يملك المال أو النفوذ أو القدرة على مساعدته، ويُظهر له من الود ما لا يشعر به في الحقيقة، ثم يبتعد عنه عندما تنتهي الحاجة. وقد يفعل العكس أيضاً؛ فيستضعف شخصاً ويعامله باستخفاف لأنه يعتقد أنه لن يحصل منه على شيء.
أما الإنسان صاحب المروءة، فله قدر من الثبات يجعله يحترم الآخرين حتى عندما لا يحتاج إليهم. لا يجعل قيمة الإنسان مرتبطة بما يستطيع تقديمه له، ولا يحوّل الصداقة إلى صفقة، ولا يقيس الوفاء بحجم المكاسب.
ليس المطلوب من الإنسان أن يبقى في كل علاقة إلى الأبد، ولا أن يمنح ثقته لكل شخص، ولا أن يتنازل عن حقوقه حتى يقال عنه إنه وفيّ. المروءة لا تعني الضعف، والطيبة لا تعني السذاجة. يمكن للإنسان أن يضع حدوداً واضحة وأن يبتعد عمن يؤذيه، لكنه يفعل ذلك دون كذب أو غدر أو تشويه للماضي.
الخسيس لا يخسر الآخرين فقط، بل يخسر شيئاً داخله في كل مرة يبيع فيها مبدأه من أجل مصلحة مؤقتة. قد يربح موقفاً، أو مالاً، أو علاقة، أو منفعة، لكنه يدفع ثمناً أخلاقياً لا يظهر فوراً. ومع الوقت يصبح التلون عادة، ويصبح الصدق عبئاً، ويصبح الوفاء أمراً لا قيمة له إلا عندما يخدم المصلحة.
وفي النهاية، قد تنجح الخسة في تحقيق مكاسب مؤقتة، لكنها لا تستطيع بناء احترام حقيقي. فالمصلحة قد تجعل الناس يقتربون منك، أما المروءة فهي التي تجعلهم يحترمونك حتى عندما لا يحتاجون منك شيئاً.
17 مشاهدة