الشخص الذي يعتاد على كل شيء قد لا يعرف قيمته
هناك أشخاص يتعاملون مع النعم بطريقة غريبة؛ ما دام الشيء موجودًا أمامهم، لا يشعرون بقيمته. يعتادون على الاهتمام، فيصبح الاهتمام عاديًا. يعتادون على وجود شخص يسأل عنهم، فيصبح السؤال واجبًا في نظرهم. يعتادون على التسامح، فيبدأون باعتباره شيئًا مضمونًا. يعتادون على من يساعدهم، فينسون أصلًا أن هناك شخصًا يبذل جهدًا من أجلهم.
ولهذا، عندما تقول إن شخصًا لم يقدرك، قد تكون المسألة أحيانًا أعمق من مجرد عدم معرفة قيمتك. ربما هو شخص اعتاد أن يحصل على الأشياء دون أن يتوقف طويلًا ليتأمل مصدرها.
وهذا يحدث في العلاقات كثيرًا.
في البداية يلاحظ الإنسان التفاصيل الصغيرة: الرسالة، السؤال، الاهتمام، الانتظار، الدعم، المبادرة. ثم مع مرور الوقت تتحول هذه التفاصيل إلى جزء من الروتين. وما كان في البداية شيئًا جميلًا ومميزًا يصبح في النهاية شيئًا متوقعًا.
المشكلة أن الشخص الذي يعطي باستمرار قد يبدأ هو أيضًا في الخطأ. يبدأ بتقديم المزيد حتى يحصل على التقدير الذي لم يحصل عليه سابقًا. يقول: ربما لو اهتممت أكثر، سيفهم. ربما لو سامحت أكثر، سيقدرني. ربما لو كنت دائمًا موجودًا، سيعرف أنني مختلف.
لكن زيادة العطاء لا تخلق بالضرورة زيادة في الوعي.
أحيانًا كل ما تفعله هو تعليم الآخر أن يأخذ المزيد.
لهذا، الحدود ليست قسوة. والانسحاب من علاقة تستنزفك ليس غرورًا. والتوقف عن المبادرة دائمًا ليس لعبة نفسية. قد يكون مجرد إعادة للتوازن.
أنت لا تحتاج إلى جعل الآخرين يفتقدونك حتى تثبت أنك مهم. ولا تحتاج إلى أن تختفي من حياة شخص حتى يشعر بقيمتك. أنت فقط تحتاج إلى ألا تتصرف وكأن وجودك بلا ثمن.
ليس المقصود أن تحسب كل شيء قدمته للناس، ولا أن تتحول العلاقات إلى دفتر حسابات. المقصود أن تكون واعيًا بالطاقة التي تقدمها، وبالأشخاص الذين تستثمر فيها، وبالحدود التي تحمي بها نفسك.
الإنسان الواعي لا يعيش وهو يسأل طوال الوقت: هل قدروني؟ بل يسأل سؤالًا أكثر أهمية: هل أنا أتعامل مع نفسي بطريقة تجعلني أحترم ما أقدمه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فحتى لو لم يقدرك الجميع، ستبقى مرتاحًا.
لأنك لم تعطِ لتشتري مكانتك عند أحد، وإنما أعطيت لأن العطاء كان اختيارًا منك.
وهذا أحد أشكال النضج: أن تبقى كريمًا، لكن لا تبقى متاحًا لمن يتعامل مع كرمك كأنه حق مكتسب.
19 مشاهدة