ليس كل ابتعاد دليلًا على الكراهية، وليس كل قرب دليلًا على الراحة.
أحيانًا نبتعد عن أشخاص نحبهم لأننا لا نحب الشعور الذي ينتابنا عندما نكون معهم.
قد يكون الشخص قريبًا منا جدًا، وقد تكون بيننا سنوات طويلة من الذكريات، وقد نعرف يقينًا أنه يحبنا، لكننا بعد كل جلسة معه نشعر بثقل غريب.
نراجع كلامنا.
نتذكر أخطاءنا.
نفكر في الأشياء التي انتقدنا عليها.
نتساءل لماذا قلنا هذه الكلمة أو فعلنا ذلك التصرف.
وبعد فترة، يصبح العقل يربط وجود هذا الشخص بهذا الشعور.
وهنا قد يحدث شيء مؤلم: نبدأ في النفور من الشخص نفسه، رغم أن أصل المشكلة ربما ليس غياب الحب، وإنما تكرار الشعور السيئ الذي يصنعه اللقاء.
الإنسان لا يستطيع أن يفصل بسهولة بين الشخص والشعور الذي يصاحبه.
إذا كان وجود شخص بجانبك يجعلك دائمًا تشعر أنك ناقص، فمن الطبيعي أن تبدأ بتجنب وجوده.
وهذا لا يعني أن كل من ينتقدنا شخص سيئ، ولا يعني أن كل شعور بالضيق دليل على أن الطرف الآخر مخطئ. أحيانًا نحن بحاجة فعلًا إلى مراجعة أنفسنا.
لكن هناك فرقًا بين أن يساعدك الإنسان على رؤية عيب تحتاج إلى إصلاحه، وبين أن يجعلك تعيش وكأنك مجموعة من العيوب.
الإنسان الواعي لا يبحث عن أشخاص يصفقون له دائمًا، لأنه يعرف أن المديح المستمر لا يصنع إنسانًا أفضل.
لكنه أيضًا لا يقبل أن تكون علاقاته قائمة على التقليل منه.
هو يريد النقد، لكنه يريد نقدًا محترمًا.
يريد النصيحة، لكنه لا يريد الإهانة.
يريد أن يعرف أخطاءه، لكنه لا يريد أن تُستخدم أخطاؤه لإثبات أنه شخص سيئ.
وهذا الوعي مهم جدًا في العلاقات الأسرية خصوصًا.
فقد نحتاج إلى أن نغير طريقة حديثنا مع أقرب الناس إلينا. ليس لأنهم لا يتحملون الحقيقة، ولكن لأن الحقيقة يمكن أن تُقال بألف طريقة، وبعض الطرق تبني الإنسان وبعضها تهدمه.
قبل أن تقول لشخص تحبه: "أنت دائمًا..." توقف.
ربما الخطأ ليس في الملاحظة نفسها، بل في كلمة "دائمًا".
قل له ما الذي أخطأ فيه، بدل أن تحكم على شخصيته كلها.
فالإنسان الذي نحب وجوده هو غالبًا الإنسان الذي يسمح لنا بأن نرى أخطاءنا دون أن نشعر أننا أصبحنا مجرد أخطاء.