إلغاء الإيجابيات في الاكتئاب: لماذا لا يرى الإنسان إنجازاته؟
قد يمر الإنسان المصاب بالاكتئاب بأيام ينجح فيها في إنجاز بعض المهام البسيطة، لكنه لا يشعر بأي تقدير لما فعله. فقد ينهض من السرير، أو يذهب إلى العمل، أو يتواصل مع الآخرين بعد فترة من العزلة، ثم يخبر نفسه أن كل ذلك لا يستحق الاهتمام. يُعرف هذا النمط في العلاج المعرفي السلوكي باسم إلغاء الإيجابيات (Discounting the Positive)، وهو أحد أنماط التفكير التي تجعل الإنسان يقلل من قيمة إنجازاته ويركز على ما لم يستطع تحقيقه.
كيف يؤثر إلغاء الإيجابيات في الصحة النفسية؟
عندما يسيطر هذا النمط من التفكير، يبدأ الإنسان في ملاحظة أخطائه وإخفاقاته بصورة مبالغ فيها، بينما يتجاهل محاولاته الناجحة. فإذا أنجز مهمة واحدة من بين عدة مهام، فقد يرى ما تبقى عليه فقط، بدلًا من الاعتراف بما استطاع إنجازه رغم التعب.
ومع تكرار هذا التفكير، قد يشعر الشخص بأنه لا يتقدم أبدًا، حتى عندما يبذل جهودًا حقيقية لتحسين حياته. وهنا تكمن خطورة إلغاء الإيجابيات؛ إذ لا يقتصر تأثيره على التقليل من الإنجازات، بل قد يعزز الشعور بالعجز واليأس ويجعل رؤية التحسن أكثر صعوبة.
أمثلة على التقليل من الإنجازات أثناء الاكتئاب
قد يظهر هذا النمط في مواقف يومية كثيرة، مثل اعتبار النهوض من السرير أمرًا لا يستحق التقدير، أو التقليل من أهمية تناول وجبة بعد فقدان الشهية، أو تجاهل الجهد المبذول للذهاب إلى جلسة علاجية. وقد يشعر الشخص أيضًا بأن الرد على رسالة بعد أيام من الانسحاب الاجتماعي لا يمثل أي تقدم.
لكن قيمة هذه الأفعال لا تُقاس بحجمها الظاهري فقط، بل بالظروف التي حدثت فيها. فما يبدو بسيطًا لشخص يتمتع بالطاقة قد يتطلب جهدًا كبيرًا من شخص يعاني أعراض الاكتئاب.
كيف تتعامل مع هذا النمط من التفكير؟
يمكن البدء بملاحظة الأفكار التي تقلل من قيمة الإنجازات، ثم محاولة تقييمها بصورة أكثر توازنًا. اسأل نفسك: ما الذي استطعت فعله اليوم رغم التعب؟ وهل كنت سأقلل من أهمية هذا الإنجاز لو أن شخصًا أحبه هو من قام به؟
المحاولات اليومية، حتى لو كانت صغيرة، ومراجعتها عند الشعور بالإحباط. لا يعني ذلك إنكار الصعوبات أو إجبار النفس على التفكير الإيجابي، بل منح التجربة مساحة أكثر عدلًا، بحيث لا تختفي النجاحات بسبب التركيز على النواقص.
الخلاصة: إن إلغاء الإيجابيات قد يجعل الإنسان يشعر بأنه لا يحقق أي تقدم، رغم وجود محاولات حقيقية في حياته. خطوة مهمة لفهم الذات والتعامل مع الأفكار السلبية برفق وواقعية. وإذا استمرت أعراض الاكتئاب وأثرت في الحياة اليومية، نفسي في تعلم استراتيجيات مناسبة للتعامل معها.