FameBlogs

الرحيل بلا غضب. حين يصبح الهدوء أقوى من العتاب

هناك رحيل يحدث لأن الإنسان غاضب، وهناك رحيل آخر يحدث لأن الإنسان فهم. والفرق بين الاثنين كبير جدًا، فالغاضب يرحل وهو يتمنى أن يلتفت إليه من تركه، وينتظر أن يسأل عنه، ويتخيل لحظة الندم التي سيعود فيها الطرف الآخر معتذرًا، أما الذي فهم، فإنه يرحل بهدوء لأنه أدرك أن الاستمرار في المكان نفسه لن يضيف إلى قلبه إلا مزيدًا من التعب. ليس كل من يغادر يكون ضعيفًا، وليس كل من يبقى يكون وفيًا. أحيانًا يكون البقاء مجرد خوف من المجهول، أو تعلقًا بذكريات جميلة انتهت صلاحيتها، أو انتظارًا لتغيير لم يعد هناك ما يدل على حدوثه. وقد يظل الإنسان طويلًا في علاقة أو مكان أو موقف، ليس لأنه سعيد فيه، وإنما لأنه يخشى اتخاذ القرار الذي يعرف في داخله أنه أصبح ضروريًا. الرحيل الهادئ لا يعني أن ما حدث لم يكن مؤلمًا، ولا يعني أن الإنسان لم يشعر بالخذلان أو الحزن. بل ربما يكون الهدوء الذي يسبق الرحيل نتيجة معركة طويلة داخل القلب، انتهت عندما وصل الإنسان إلى قناعة مفادها أن بعض الأمور لا تحتاج إلى مزيد من الشرح، وبعض التصرفات لا تحتاج إلى تبرير، وبعض العلاقات لا تحتاج إلى فرصة جديدة بقدر ما تحتاج إلى نهاية محترمة. عندما يغادر الإنسان وهو غاضب، فإنه غالبًا يحمل معه خصمه أينما ذهب. يراجع الكلمات، ويتذكر المواقف، ويتساءل لماذا حدث ذلك، وماذا كان يجب أن يقول، وكيف كان يمكن أن يرد. يصبح الشخص الذي تركه حاضرًا في يومه رغم غيابه، وكأن الرحيل لم يحرره من العلاقة، بل نقلها من الواقع إلى داخله. أما حين يغادر الإنسان وقد هدأ قلبه، فإنه لا يحتاج إلى معركة أخيرة. لا يبحث عن جملة موجعة يقولها، ولا يحاول أن يثبت أنه كان على حق، ولا ينتظر اعترافًا بقيمته. يكفيه أنه عرف ما يكفي ليقرر أن الطريق لم يعد مناسبًا له. قال عَنِ ﴾. وهذه الآية تضع أمام الإنسان معنى عظيمًا في التعامل مع الغضب؛ فليس كل ما نشعر به يجب أن يتحول إلى فعل، وليس كل إساءة تستدعي إساءة مقابلة، وليس كل موقف مؤلم يحتاج إلى انتقام. قد تكون قادرًا على الرد، لكنك تختار الصمت. وقد تكون قادرًا على كشف ما تعرف، لكنك تختار الستر. وقد تستطيع أن تؤذي من آذاك، لكنك تختار أن تترك الأمر لله. هنا يصبح الرحيل مختلفًا؛ لأنه لا يكون هروبًا من المواجهة، وإنما خروجًا من دائرة الخصومة. وأحيانًا تكون أعظم إجابة على ما حدث أن تتوقف عن محاولة الحصول على إجابة. فهناك أشخاص لن يعترفوا بخطئهم مهما شرحت، وهناك مواقف لن تتغير مهما عاتبت، وهناك علاقات يصبح استمرارها نوعًا من استنزاف النفس. عندها يكون الفهم أرحم من الانتظار، ويكون القبول أهدأ من العتاب. الرحيل الناضج لا يقول: "سأغادر حتى تعرف قيمتي". بل يقول: "سأغادر لأنني عرفت قيمة راحتي". ولا يقول: "سأجعلك تندم". بل يقول: "لن أجعل ندمك شرطًا لسلامي". ولا يقول: "سأنتظر اعتذارك". بل يقول: "سأترك ما بيني وبينك لله". حين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح قلبه أخف. لا لأنه نسي كل شيء، وإنما لأنه لم يعد يسمح للماضي بأن يدير حاضره. يغلق الباب، لكنه لا يقف خلفه منتظرًا صوت الطرق. يمضي، لكنه لا يحمل معه رغبة في الانتقام. يتذكر، لكنه لا يعيش فيما يتذكر. وهنا تكمن قيمة الرحيل الحقيقي: أن تخرج من المكان دون أن يأخذ المكان شيئًا من أخلاقك. أن تنهي العلاقة دون أن تتحول إلى نسخة أسوأ بسببها. أن تترك من أساء إليك دون أن تسمح لإساءته أن تزرع فيك الحقد.
10 مشاهدة

هذا المنشور جزء من حديث على FameBlogs

النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

وردت في 7 منشورات من كاتبين

مجاني على Google Play · لأجهزة Android

اقرأ أيضًا

FameBlogsللحديث بقية في التطبيق حمّل