من أكثر الأشياء التي تؤلم الإنسان أنه يتوقع أن تكون الحياة عادلة بالطريقة التي يفهم بها العدل. نكبر ونحن نسمع…
من أكثر الأشياء التي تؤلم الإنسان أنه يتوقع أن تكون الحياة عادلة بالطريقة التي يفهم بها العدل. نكبر ونحن نسمع أن الخير يُكافأ والشر يُعاقب، وأن الصبر له ثمرة، وأن من يفعل الخير سيجد الخير في طريقه. وهذه الأفكار تمنح الإنسان الأمل، لكنها لا تصف دائمًا الطريقة التي يعمل بها العالم.
هناك فرق كبير بين العدل الذي يصنعه الإنسان وبين الطبيعة التي لا تملك مفهومًا أخلاقيًا للعدل.
عندما يظلم شخص شخصًا آخر، يمكن للمجتمع أن يتدخل. هناك قانون، وقضاء، وحقوق، وعقوبات، ويمكن للناس أن يطالبوا بالإنصاف. نحن من صنعنا هذه الأنظمة لأننا نؤمن بأن العلاقات البشرية تحتاج إلى قواعد تحمي الضعيف وتمنع الأقوى من استخدام قوته بلا حدود.
لكن ماذا يحدث عندما يصاب الإنسان بمرض؟ من سيُحاكم المرض؟
وماذا يحدث عندما تأتي كارثة طبيعية؟ من سيقف أمام العاصفة ويطلب منها أن تبرر قرارها؟
وماذا يحدث عندما تنهار ظروف اقتصادية أو يخسر الإنسان شخصًا يحبه بسبب حادث لا علاقة له بأخلاقه؟
لا توجد إجابة أخلاقية عند الطبيعة، لأنها أصلًا.
وهذا الإدراك قد يكون مؤلمًا، لكنه في الوقت نفسه يحرر الإنسان من فكرة خطيرة: أن كل ألم يجب أن يكون عقوبة، وكل نجاح يجب أن يكون مكافأة.
ليس كل فشل عقوبة.
وليس كل نجاح دليلًا على الاستحقاق.
وليس كل إنسان يعاني قد أخطأ في حياته.
وليس كل إنسان يعيش في رفاهية قد فعل شيئًا يستحق به هذه الرفاهية.
أحيانًا تكون الظروف مجرد ظروف.
قد يولد شخص في بيئة تمنحه التعليم والأمان والفرص، بينما يولد آخر في بيئة لا تمنحه أبسط شروط البداية. وقد يعمل اثنان بالجد نفسه، لكن أحدهما يجد فرصة ، بينما يظل الآخر سنوات يبحث عن فرصة مشابهة. وقد يبني شخص حياته بعناية، ثم تأتي حادثة واحدة تغير الكثير.
هذا لا يعني أن الجهد لا قيمة له. بالعكس، الجهد مهم جدًا، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد النتائج.
الحياة شبكة معقدة من الظروف والفرص والقرارات والحوادث والموارد والقدرات والتوقيت. ولذلك فإن اختزال كل نتيجة في عبارة «هذا الشخص يستحق ما حصل عليه» قد يكون ظلمًا بحد ذاته.
الأكثر خطورة هو أن الإنسان عندما يؤمن بأن الحياة تكافئ الطيب وتعاقب السيئ دائمًا، قد يبدأ في لوم الضحية عندما تتعثر حياته.
يقول له: ربما لم تعمل بما يكفي.
ربما أخطأت.
ربما لم تكن جيدًا بما يكفي.
لكن أحيانًا لا يكون هناك درس أخلاقي مخفي وراء المصيبة. أحيانًا يكون ما حدث مجرد حدث مؤلم يحتاج إلى التعامل معه.
وهنا تأتي القوة الحقيقية: أن تتوقف عن مطالبة الواقع بأن يطابق توقعاتك، وتبدأ في التعامل معه كما هو.
إذا كانت الظروف قاسية، ابحث عن طريقة للتكيف.
إذا خسرت شيئًا، حاول أن تعرف ما الذي يمكن إنقاذه.
إذا تغيرت الحياة، غيّر خطتك.
إذا لم تعد البيئة مناسبة لك، ابحث عن بيئة أخرى.
وإذا لم تستطع تغيير ما حدث، فحاول أن تغير الطريقة التي ستكمل بها بعده.
ليس المطلوب أن يصبح الإنسان بلا مشاعر أو أن يتقبل الظلم بصمت. بل المطلوب أن يفصل بين أمرين: ما يتمناه من العالم، وما يستطيع فعله داخل العالم.
منع المطر، لكن تستطيع أن تبحث عن مأوى.
قد لا تستطيع منع الخسارة، لكن تستطيع أن تتعلم كيف تبدأ بعدها.
قد لا تستطيع التحكم في كل ما يحدث، لكنك تستطيع أن تتعامل مع ما حدث بطريقة تمنحك فرصة للاستمرار.
الحياة ليست محكمة أخلاقية تعمل في كل لحظة.
ولهذا لا تجعل عدالتها المتوقعة شرطًا لقدرتك على الاستمرار.
10 مشاهدة