FameBlogs

كثيرون يظنون أن التكيف مع الظروف يعني الاستسلام لها، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاثنين.

الاستسلام هو أن تقول: لا شيء يمكن تغييره، ولذلك لن أفعل شيئًا. أما التكيف فهو أن تنظر إلى الواقع وتقول: هذا ما حدث، فماذا أستطيع أن أفعل الآن؟ وهذا الفرق يبدو بسيطًا في الكلمات، لكنه قد يغير حياة الإنسان بالكامل. الحياة لا تثبت على حال. الأشخاص يتغيرون، الظروف الاقتصادية تتغير، العلاقات تنتهي، المدن تتغير، الصحة تتغير، الفرص تظهر وتختفي، والأشياء التي كنا نظن أنها ستبقى معنا سنوات قد تختفي في لحظة. ولهذا فإن الإنسان الذي يبني حياته كلها على افتراض أن الظروف ستظل كما هي، قد يجد نفسه عاجزًا عندما تتغير. أما الشخص الذي يفهم أن التغير جزء من الحياة، فإنه لا يكون محصنًا ضد الألم، لكنه يكون أكثر استعدادًا لإعادة ترتيب نفسه عندما تأتي الصدمات. التكيف لا يعني أن تحب ما حدث. يمكنك أن تكره خسارتك وتتقبل في الوقت نفسه أنها حدثت. يمكنك أن تحزن على نهاية علاقة وتعرف مع ذلك أن عليك مواصلة حياتك. يمكنك أن تشعر بالغضب من الظلم، لكنك تدرك أن الغضب وحده لن يعيد لك ما فقدته. يمكنك أن ترفض الظروف، ثم تبدأ في البحث عن طريقة للتعامل معها. وهنا تكمن قوة التكيف. الإنسان أحيانًا يستهلك طاقته في مقاومة حقيقة انتهت بالفعل. يظل يقول: «لو لم يحدث كذا»، «لو تصرف فلان بطريقة مختلفة»، «لو لم أخسر هذه الفرصة»، «لو بقي كل شيء كما كان». لكن المشكلة أن الماضي لا يتفاوض. ما حدث حدث. والسؤال الذي يمكن أن يفتح بابًا جديدًا ليس: «كيف أجعل الماضي مختلفًا؟» بل: «كيف أتعامل مع الحاضر الذي صنعه الماضي؟» قد لا يكون هذا السؤال مريحًا، لكنه عملي. إذا فقدت وظيفة، قد تحتاج إلى تعلم مهارة جديدة. إذا تغير مجال عملك، قد بناء خبرتك. إذا انتهت علاقة، قد تحتاج إلى اكتشاف كيف تعيش دون أن تجعل غياب شخص هو تعريفك الكامل لنفسك. إذا فشلت خطة، قد تحتاج إلى خطة أخرى. إذا اكتشفت أن الطريق الذي اخترته لا يناسبك، فإن تغيير الاتجاه ليس بالضرورة فشلًا. أحيانًا يكون الاستمرار في الاتجاه الخطأ هو الفشل الحقيقي. والتكيف لا يعني أن تتخلى عن أهدافك عند أول عقبة. بل يعني أن تميز بين الهدف والطريق المؤدي إليه. قد يتغير الطريق، بينما يبقى الهدف. وقد تتغير الوسيلة، بينما تبقى القيمة. وقد تضطر إلى تأجيل شيء، دون أن تتخلى عنه. هذه المرونة تمنح الإنسان مساحة للحركة بدل أن يبقى أسيرًا لصورة واحدة للحياة. والأمر نفسه ينطبق على العلاقات. هناك أشخاص يظلون متمسكين بعلاقات انتهت فعليًا، ليس لأن العلاقة ما زالت جيدة، وإنما لأنهم لا يستطيعون تقبل التغيير. فيعيشون في صراع دائم مع الواقع، يحاولون إعادة شيء لم يعد موجودًا. لكن بعض الأبواب لا تحتاج إلى كسرها ولا إلى الانتقام منها. يكفي أن تعرف أنها أُغلقت، ثم تبحث عن الباب التالي. التكيف ليس ضعفًا. الشجرة التي تتحرك مع الريح لا تكون ضعيفة لأنها لم تقاومها بكل صلابتها. أحيانًا تكون المرونة هي ما يمنع الانكسار. وفي الحياة كذلك، الإنسان الذي يعرف متى يتمسك ومتى يغيّر أسلوبه، ومتى ينتظر ومتى يتحرك، ومتى يقاتل ومتى ينسحب من معركة لا تستحق، يمتلك نوعًا من القوة لا يظهر في الصوت المرتفع ولا في العناد. القوة ليست دائمًا أن تقاوم كل شيء. أن تعرف كيف تتغير نفسك. فالحياة لن تسألنا دائمًا إن كنا مستعدين. ستتغير على أي حال.
17 مشاهدة

هذا المنشور جزء من حديث على FameBlogs

دون أن تفقد

وردت في 5 منشورات من 4 كتّاب

مجاني على Google Play · لأجهزة Android

اقرأ أيضًا

FameBlogsللحديث بقية في التطبيق حمّل