بين الرغبة والمبدأ يولد الإنسان
في داخل كل إنسان رغبات كثيرة، وبعضها طبيعي لا عيب فيه. نريد أن ننتصر، وأن نحصل على ما نحب، وأن نرد الإساءة، وأن نثبت أنفسنا، وأن نأخذ فرصنا كاملة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرغبة إلى القائد الوحيد لحياتنا.
فالإنسان لا يُقاس فقط بما يرغب فيه، وإنما بما يفعله عندما تتعارض رغباته مع مبادئه.
قد يرغب الإنسان في الرد، لكنه يعرف أن الرد سيؤذي. وقد يرغب في أخذ شيء، لكنه يعلم أنه ليس من حقه. وقد يرغب في أو موقف، لكنه يعرف أن البقاء فيه يظلم شخصًا آخر. وقد يجد أمامه طريقًا أسهل، لكنه يعرف أن الطريق الصحيح يحتاج إلى صبر وتنازل.
في هذه المسافة الصغيرة بين الرغبة والقرار تتشكل شخصية الإنسان.
إن الأخلاق الرغبات من داخلنا، فهذا ليس واقعيًا. الأخلاق أن نتعلم كيف نتعامل معها. أن نسمع صوت الرغبة، ثم نسمح للعقل والضمير والإيمان بأن يشاركوا في القرار.
ولهذا فإن مجاهدة النفس ليست معركة تنتهي مرة واحدة. هي عملية مستمرة. قد ينتصر الإنسان اليوم ويضعف غدًا، ثم يعود ويحاول من جديد. وقد يمر بموقف يكتشف فيه أن ما كان يظنه سهلًا يحتاج إلى قوة أكبر مما تصور.
لكن كل محاولة صادقة تترك أثرًا.
حين يترك الإنسان شيئًا يحبه لأنه يعرف أنه خطأ، فهو لا يخسر فقط؛ بل يتعلم أن الرغبة ليست أمرًا مطلقًا. وحين يعفو وهو قادر على الانتقام، يتعلم أن القوة ليست في رد الأذى دائمًا. وحين يصمت عن كلام كان يمكن أن يجرح شخصًا، يتعلم أن اللسان مسؤولية. وحين يرفض استغلال ثقة أحد، يتعلم أن الأمانة ليست مرتبطة بوجود الرقيب.
ومع الوقت، تتحول هذه الاختيارات من معارك صعبة إلى عادات داخلية. يصبح الإنسان أكثر هدوءًا أمام الإغراء، وأكثر قدرة على التراجع، وأكثر احترامًا لحدوده وحدود الآخرين.
وهنا يصل الإنسان إلى مرحلة جميلة من النضج: لا يعود يفعل الصواب لأنه يخاف أن يراه الناس، وإنما لأنه أصبح يرى نفسه مسؤولًا عن اختياراته، ويعرف أن الله مطلع على ما يخفيه وما يظهره.
وفي النهاية، قد لا يتذكر أحد المواقف التي قاوم فيها الإنسان نفسه، لكن تلك المواقف شخصيته التي يراها الناس اليوم.
فالإنسان الحقيقي لا يولد في لحظة واحدة؛ إنه يتشكل كل يوم، في القرارات التي لا يراها أحد، وفي الرغبات التي يختار أن يضع لها حدودًا، وفي المبادئ التي يتمسك بها حتى عندما يكون التخلي عنها أسهل.
21 مشاهدة