من أجمل ما يمكن أن يبلغه الإنسان في أخلاقه أن يصبح بينه وبين الله عهدٌ لا يتغير بوجود الناس أو غيابهم. فليس ا…
من أجمل ما يمكن أن يبلغه الإنسان في أخلاقه أن يصبح بينه وبين الله عهدٌ لا يتغير بوجود الناس أو غيابهم. فليس الصعب أن يحسن الإنسان أمام من يراه، وإنما الصعب أن يظل حريصًا على الخير عندما يخلو بنفسه، ولا يبقى حوله أحد يعرف ما يفعل.
وهنا تظهر حقيقة التقوى؛ أن يعلم العبد أن الله مطلع عليه، يسمع قوله، ويرى فعله، ويعلم ما تخفيه الصدور. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. فهذه المراقبة ليست خوفًا مجردًا، وإنما هي وعي عميق يجعل الإنسان أكثر حرصًا على ألا يظلم، وألا يخون، وألا يؤذي، وألا يتجاوز حدود الله ولو استطاع أن يفعل ذلك دون أن يراه أحد.
قد يخلو الإنسان من الناس، فتأتيه فرصة للخطأ، وقد يستطيع أن يخفي أثره، وقد يظن أن الأمر لن يعرفه أحد. لكن قلبه المؤمن يتذكر أن هناك من لا تخفى عليه خافية. فيتراجع، ليس لأنه عاجز عن المعصية، بل لأنه يعظم نظر الله إليه.
وهذه من أصدق صور العبادة؛ أن تترك شيئًا تستطيع فعله، لأنك تعلم أن الله لا يرضاه.
والأخلاق الإسلامية لا تقوم على المظاهر وحدها. فقد يكون الإنسان كثير الكلام عن الصلاح، لكن حقيقة أخلاقه تظهر في تعامله مع أهله، وفي معاملته للضعيف، وفي أمانته عندما يغيب صاحب الحق، وفي قدرته على كظم غيظه، وفي موقفه عندما يستطيع أن ينتقم.
قال الله عَنِ ﴾.
فكظم الغيظ ليس ضعفًا، والعفو ليس عجزًا، والإحسان ليس سذاجة. إنها صور من قوة النفس حين تكون مقادة بالإيمان لا بالهوى.
وقد يمر الإنسان بمواقف كثيرة لا يعلم بها أحد: كلمة أراد أن يقولها ثم سكت، حق استطاع أن يأخذه بغير وجه حق ثم تركه، إساءة استطاع أن يرد عليها بأشد منها ثم اختار العفو، ذنب استطاع أن يخفيه ثم تذكر أن الله يراه.
تلك اللحظات قد لا يصفق لها أحد، لكنها عند الله ليست ضائعة.
فما أجمل أن يعيش الإنسان وهو يعلم أن قيمته الحقيقية ليست في الصورة التي يراها الناس، وإنما في حال قلبه وعمله حين يكون بينه وبين ربه. هناك تُبنى التقوى، وهناك تهذب النفس، وهناك يتعلم الإنسان أن يترك ما لا يرضي الله، ولو مالت إليه نفسه.
125 مشاهدة