النفس تحب ما يوافق هواها، وقد تميل إلى الانتقام حين تُجرح، وإلى الغضب حين تُستفز، وإلى حب الظهور حين تُمدح، و…
النفس تحب ما يوافق هواها، وقد تميل إلى الانتقام حين تُجرح، وإلى الغضب حين تُستفز، وإلى حب الظهور حين تُمدح، وإلى التشفي حين ترى من أساء إليها ضعيفًا. ولذلك فإن تهذيب النفس ليس أمرًا يحدث في يوم واحد، وإنما هو مجاهدة مستمرة تحتاج إلى صبر ومراقبة واستعانة بالله.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ومن صور مجاهدة النفس أن تعرف أن كل ما تشتهيه ليس بالضرورة خيرًا لك، وأن كل ما تقدر عليه ليس بالضرورة مباحًا لك، وأن الانتصار على الآخرين ليس دائمًا انتصارًا حقيقيًا.
قد يستطيع الإنسان أن يرد الإساءة بإساءة أكبر، لكنه يتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
ما أعظم هذا الميزان؛ ألا يسمح الإنسان لكراهية شخص أن تدفعه إلى الظلم.
قد تختلف مع إنسان، وقد يسيء إليك، وقد يظلمك، لكن ذلك لا يمنحك حق تجاوز حدود الله. تستطيع أن تأخذ حقك بالطرق المشروعة، وتستطيع ، وتستطيع أن تبتعد، لكن دون أن تجعل غضبك مبررًا للخيانة أو الكذب أو التشهير أو الظلم.
وهنا تظهر حقيقة الأخلاق.
أن يكون الإنسان قادرًا على الشر لكنه يختار الخير. قادرًا على الانتقام لكنه يختار ما يرضي الله. قادرًا على كشف العيوب لكنه يستر. قادرًا على إهانة من أمامه لكنه يحفظ لسانه.
قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
فالقوة الحقيقية ليست في أن ترفع صوتك، ولا في أن تخيف من أمامك، ولا في أن تنتصر في كل مواجهة، وإنما في أن تمتلك نفسك عندما تدفعك مشاعرك إلى ما تندم عليه.
والإنسان الذي يجاهد نفسه في الخفاء يصبح أهدأ في العلن. لأنه لا ينتظر تصفيق الناس حتى يكون صالحًا، ولا يحتاج إلى مراقبة الآخرين حتى يحسن التصرف. يكفيه أن يعلم أن الله يراه.
وهكذا تتحول مجاهدة النفس إلى مدرسة يومية يتعلم فيها الإنسان الصبر، والعفو، والرحمة، وضبط اللسان، وحفظ الحقوق، والابتعاد عن الظلم.
وقد تكون أعظم عبادة خفية في يومك أنك استطعت أن تؤذي إنسانًا ولم تفعل، وأن تنتقم ولم تنتقم، وأن تقول ما يجرح ثم أمسكت لسانك ابتغاء مرضاة الله.
63 مشاهدة