من أعظم ما يسكّن القلب أن يعلم المؤمن أن أمره كله بيد الله، وأن ما قدره الله له لا يمكن أن يخطئ طريقه إليه. ق…
من أعظم ما يسكّن القلب أن يعلم المؤمن أن أمره كله بيد الله، وأن ما قدره الله له لا يمكن أن يخطئ طريقه إليه. قد تتبدل الظروف، وتتغير الوجوه، وتغلق الأبواب، وتتأخر الأمنيات، لكن ذلك كله لا يخرج عن علم الله وتقديره. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
كم من أمر تعلّق به القلب وظن أنه الخير كله، ثم صرفه الله عنه، وبعد مدة ظهرت له من الحكمة ما لم يكن يراها. وكم من باب طرقناه مرارًا ولم يُفتح، فظننا أن الخير قد فاتنا، ثم فتح الله لنا بابًا آخر لم يخطر لنا على بال.
المؤمن لا ينكر حزنه عندما يفقد شيئًا يحبه، ولا يدّعي أن الفراق سهل أو أن الانتظار لا يؤلمه، لكنه يملك يقينًا يمنعه من الانهيار؛ لأنه يعلم أن الله أرحم به من نفسه، وأن تقدير الله لا يخلو من حكمة، وإن خفيت عليه.
وليس معنى الإيمان بالنصيب أن يترك الإنسان السعي. بل يسعى ويجتهد ويأخذ بالأسباب، ثم يفوض النتائج إلى الله. يعمل وكأن عليه مسؤولية السعي، ويطمئن وكأن النتائج كلها بيد الله، لأنها كذلك.
لا تحزن لأن غيرك وصل قبلك، ولا تجعل رزق الآخرين سببًا للشك في رزقك. قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. وما عند الله لا يناله الإنسان بالقلق، ولا يمنعه عنه تأخره، ولا يملكه غيره.
قد يتأخر الشيء لأن وقته لم يأتِ، وقد يُصرف لأن الله يعلم أن فيه ضررًا، وقد يأتيك الخير في صورة مختلفة تمامًا عما تخيلت.
فاطمئن إلى ربك، وأحسن الظن به، وأكثر من الدعاء، ولا تستعجل الإجابة. فما دام الله يعلم ما في قلبك، ويعلم ما يصلح لك، فلا تجعل ضيق اللحظة يفسد يقينك بحكمة الله.
ربما لا تفهم الآن لماذا تأخر نصيبك، لكن سيأتي يوم تدرك فيه أن بعض التأخيرات كانت رحمة، وبعض المنع كان حماية، وبعض الأبواب المغلقة كانت بداية لطريق أفضل.
يكفيك أن تعلم أن الله لا يظلمك، وأن ما قدره لك سيأتيك، وأن ما صرفه عنك لم يكن مكتوبًا لك. وبين الأمرين يعيش المؤمن مطمئن القلب، يعمل فيما يستطيع، ويرضى فيما لا يستطيع، ويترك لله ما لا يملك.