لا تكن عونًا على ظلم أحد
من أصعب الأمور على الإنسان أن يرى ظلمًا ثم يقرر أن يقف على الحياد بطريقة تجعله شريكًا فيه. فالظلم لا يكون دائمًا بفعل مباشر؛ أحيانًا يكون بالصمت، أو بترديد كلام غير صحيح، أو بنقل إشاعة، أو بإخفاء حقيقة، أو بتبرير خطأ لأن صاحبه قريب منا.
ولهذا يحتاج إلى وعي أكبر من مجرد اختيار طرف في خلاف. قبل أن يقول الإنسان: أنا مع فلان أو ضد فلان، عليه أن يسأل نفسه: ما الحقيقة؟ ومن الذي وقع عليه الظلم؟ وهل المعلومات التي وصلتني صحيحة؟ وهل حكمي مبني على دليل أم على مشاعر وانطباعات؟
قد يكون الإنسان محبًا لشخص ما، لكنه يكتشف أن هذا الشخص أخطأ. هنا يظهر صدق المحبة الحقيقية؛ فالمحبة لا تعني أن نبرر كل شيء، ولا أن نساعد من نحب على الاستمرار في الخطأ. أحيانًا يكون أفضل ما نقدمه لمن نحب هو أن ننصحه بصدق، وأن نمنعه من ظلم الآخرين بدل أن نصفق له.
وفي المقابل، قد نختلف مع شخص أو لا نحبه، ثم نجد أنه تعرض لظلم. والعدل يقتضي ألا نجعل الخلاف سببًا لتأييد الظلم. فالإنسان العادل يستطيع أن يقول: أنا مختلف مع هذا الشخص في أمور كثيرة، لكن هذا الأمر تحديدًا ليس من العدل أن يُظلم فيه.
وهذه الأخلاق تحتاج إلى شجاعة؛ لأن الناس قد يضغطون على الإنسان ليكون جزءًا من جماعة أو موقف معين. لكن الضمير لا يعرف دائمًا لغة الجماعات والمصالح. عندما يكون الإنسان وحده مع نفسه، يبقى السؤال الأهم: هل كنت عادلًا؟ هل ظلمت أحدًا؟ هل نقلت شيئًا لم أتأكد منه؟ هل ساعدت على أذية إنسان؟
والكلمة قد تكون بسيطة في ظاهرها، لكنها أحيانًا تغير حياة إنسان. إشاعة واحدة قد تسيء إلى شخص، وشهادة غير دقيقة قد تظلم بريئًا، ومعلومة ناقصة قد تجعل الآخرين يحكمون على إنسان بطريقة غير عادلة. لذلك فإن التثبت قبل الكلام ليس ضعفًا، بل مسؤولية.
الوقوف مع الحق كذلك لا يعني أن نكشف أخطاء الناس وننشرها، فالإصلاح شيء، والتشهير شيء آخر. الحكمة أن يحاول الإنسان معالجة الخطأ بأقل قدر من الأذى، وأن يفرق بين النصيحة وبين الإهانة، وبين الدفاع عن الحق وبين الانتقام.
هنيئًا لمن جعل العدل مبدأ لا يتغير بتغير الأشخاص. وهنيئًا لمن استطاع أن يرفض إلى ظالم آخر. فالقوة الحقيقية ليست في أن تنتصر على شخص، وإنما في أن تخرج من الخلاف وأنت لم تظلم أحدًا.
نسأل الله أن يطهر قلوبنا من التعصب، وأن يرزقنا الإنصاف، وأن يجعلنا ممن ، وإذا رأوا ظلمًا لم يعينوا عليه، وإذا أخطأوا رجعوا إلى الصواب.