هناك فرق كبير بين إنسان ينسى بعض التفاصيل مع مرور الوقت، وبين إنسان يتعمد إنكار المعروف بعد أن يحصل على فائدت…
هناك فرق كبير بين إنسان ينسى بعض التفاصيل مع مرور الوقت، وبين إنسان يتعمد إنكار المعروف بعد أن يحصل على فائدته. النسيان طبيعة بشرية، أما الجحود المتعمد فهو موقف أخلاقي يكشف الكثير عن صاحبه. فالإنسان الكريم قد لا يتذكر كل ما قُدم له، لكنه حين يُذكّر به يعترف به ويقدّره، أما من اعتاد الخسة فإنه قد يتذكر المعروف جيداً، لكنه يتعمد دفنه لأنه لا يريد أن يشعر بأنه مدين لأحد.
الجحود من أقسى صور الخسة، لأن المعروف في جوهره موقف إنساني لا يقوم دائماً على انتظار المقابل. عندما يساعدك شخص في وقت ضعفك، أو يقف بجانبك في أزمة، أو يمنحك فرصة كنت تحتاج إليها، فهو لا يضع بالضرورة فاتورة تنتظر السداد. لكنه يتوقع شيئاً أبسط من ذلك بكثير: ألا تنكر موقفه عندما تتغير الظروف.
والشخص الخسيس قد يفعل أكثر من مجرد النكران؛ فقد يعيد كتابة الماضي بطريقة تخدم صورته الحالية. يقول إن المساعدة لم تكن مهمة، وإن الأمر كان سهلاً، وإنه لم يكن بحاجة إلى أحد أصلاً، وربما يذكر عيوب من ساعده حتى يبرر لنفسه لماذا لم يعد يشعر بأي امتنان تجاهه.
المشكلة هنا ليست في فقدان كلمة "شكراً"، بل في غياب قيمة الوفاء نفسها. فالوفاء لا يعني أن يعيش الإنسان أسيراً للجميل أو أن يسمح للآخرين باستغلاله، وإنما يعني أن يكون منصفاً في روايته للماضي. تستطيع أن تنهي علاقة، وتستطيع أن تختلف مع شخص، بل تستطيع أن تبتعد عنه تماماً، دون أن تنكر أنه وقف بجانبك في يوم من الأيام.
المروءة أن تقول: "اختلفنا، لكنني لا أنكر ما فعله من أجلي." أما الخسة فتقول: "بما أننا اختلفنا، فسأعتبر كل ما فعله وكأنه لم يحدث."
ولهذا فإن الإنسان لا يُعرف فقط بما يفعله عندما يحتاج الآخرين، بل بما يفعله بعدما يستغني عنهم. قد تكشف لحظة الاحتياج جانباً من الإنسان، لكن لحظة الاستغناء تكشف جانباً أعمق بكثير. هناك يظهر الوفاء الحقيقي، وهناك يظهر الجحود، وهناك يعرف المرء هل كان يقدّر الأشخاص فعلاً أم كان يقدّر فقط ما يحصل عليه منهم.
13 مشاهدة