قد يظن البعض أن الغنى دليل على نجاح الإنسان، وأن كثرة المال والممتلكات قادرة على منحه قيمة ومكانة واحتراماً.…
قد يظن البعض أن الغنى دليل على نجاح الإنسان، وأن كثرة المال والممتلكات قادرة على منحه قيمة ومكانة واحتراماً. لكن الحياة تكشف لنا باستمرار أن المال يستطيع أن يرفع مستوى المعيشة، ولا يستطيع أن يشتري المروءة. فقد تجد إنساناً يملك الكثير، لكنه فقير في الوفاء، قليل في الاعتراف بالجميل، سريعاً في الغدر، مستعداً للتخلي عن أقرب الناس إليه إذا ظهرت له مصلحة أكبر.
الخسة ليست فقراً مادياً، وإنما فقر في القيم. وقد يكون الإنسان محدود الدخل لكنه كريم النفس، يحفظ الود، ويقدر المعروف، ويقف بجانب الآخرين بما يستطيع. وقد يكون شخص آخر ميسوراً جداً، لكنه لا يعطي شيئاً إلا إذا ضمن مقابلاً، ولا يحفظ علاقة إلا ما دامت تحقق له منفعة.
الثروة الحقيقية تظهر في طريقة تعامل الإنسان مع من لا يستطيع أن يقدم له شيئاً. كيف تتعامل مع العامل الذي يخدمك؟ كيف تتحدث مع الشخص الضعيف الذي لا يملك سلطة عليك؟ كيف تتصرف مع صديق انتهت حاجتك إليه؟ وكيف تتحدث عن شخص قدم لك معروفاً ثم اختلفت معه؟
هذه المواقف أكثر دلالة من المظاهر الخارجية، لأنها تكشف ما يبقى من الإنسان عندما تسقط الحسابات والمصالح.
ومن صور الخسة أن يحاول الإنسان استخدام ما يملكه من مال أو نفوذ لإذلال الآخرين أو إشعارهم بأنهم أقل منه. وكأن القدرة المادية تمنحه حق التقليل من الناس أو إنكار فضلهم. لكن المال مهما كثر يبقى وسيلة، وليس شهادة على الأخلاق.
الإنسان صاحب المروءة يعرف أن الناس ليسوا درجات بحسب ما يملكون. يحترم من حوله دون أن يسأل أولاً: ماذا سأستفيد منه؟ وإذا قدم له شخص معروفاً، حفظه في ذاكرته، وإذا انتهت العلاقة، لم يستخدم الماضي سلاحاً لتشويه صاحبه.
ولهذا فإن بعض الخسائر المادية يمكن تعويضها، لكن خسارة الإنسان لكرامته الأخلاقية أصعب بكثير. قد يخسر المرء صفقة ويربح نفسه، وقد يخسر مالاً ويحافظ على مبادئه، وقد يتنازل عن منفعة حتى لا يظلم أحداً. هذه الخسائر الظاهرية قد تكون في الحقيقة مكاسب إنسانية عظيمة.
فالمروءة لا تحتاج إلى ثروة، والوفاء لا يحتاج إلى حساب مصرفي، والصدق لا يحتاج إلى مكانة اجتماعية. إنها صفات تظهر في التفاصيل الصغيرة وفي المواقف التي لا يراقبها أحد. ولذلك قد يكون أفقر الناس مالاً أغناهم خلقاً، وقد يكون أغناهم مالاً أفقرهم مروءة.