للصاحب أثر عظيم في الإنسان، ولذلك لم يكن اختيار الأصدقاء أمرًا هامشيًا. الإنسان يتأثر بمن حوله في أفكاره وأخلاقه ونظرته للحياة، ومن ذلك أيضًا الطريقة التي يتعامل بها مع أسراره وضعفه.
قال النبي ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وإذا كان الصاحب يؤثر في دين الإنسان وأخلاقه، فإنه يؤثر أيضًا في أمانه النفسي وطريقة تعامله مع مشكلاته.
ليس كل شخص تحبه يصلح أن يكون مستودعًا لأسرارك. قد تحب إنسانًا لأنه مرح، أو لأن صحبتك معه ممتعة، أو لأنه قريب منك منذ سنوات، لكن هذه الأمور وحدها لا تعني أنه أمين على ما تقول.
الأمانة تظهر عندما يعرف الإنسان شيئًا يستطيع أن يستخدمه ضدك ثم يختار ألا يفعل. تظهر عندما يختلف معك فلا يكشف سرك. تظهر عندما يسمع منك خطأ فلا يفضحك به. تظهر عندما يعرف ضعفك فلا يذكرك به في كل خلاف.
ومن هنا كان من الحكمة أن تختبر الناس بالمواقف، لا بالكلام.
قد يقول لك شخص: "اعتبرني أخًا لك، قل لي كل شيء"، لكن الثقة لا تُبنى بجملة جميلة. الثقة تُبنى بالسنين والمواقف. الشخص الذي يحفظ أسرار الآخرين أمامك يعطيك إشارة مهمة جدًا: غالبًا سيحفظ أسرارك أيضًا. أما الذي يكشف لك خصوصيات الناس ليشعرك بأنه قريب منك، فانتبه؛ فقد تصبح أنت يومًا موضوع حديثه مع شخص آخر.
والإسلام لم يجعل الستر مجرد مجاملة اجتماعية، بل جعله خلقًا عظيمًا. قال النبي ﷺ: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة».
لذلك عندما تعرف سرًا عن أخيك أو صديقك، لا تجعل معرفتك به تزيد شعورك بالقوة عليه. كن ستيرًا، رحيمًا، ناصحًا إن احتاج إلى نصح، ولا تجعل ضعفه مادة للحديث.
وفي المقابل، أنت أيضًا لا تجعل حاجتك إلى شخص يسمعك سببًا في كشف كل ما لديك. إذا وجدت صاحبًا صالحًا أمينًا، فالحمد لله، لكن اجعل ثقتك متزنة. وحتى أقرب الناس إليك ليس من الحكمة أن يعرفوا كل تفاصيلك.
بعض الأمور بينك وبين الله، وبعضها بينك وبين نفسك، وبعضها يحتاج إلى أهل العلم أو الاختصاص، وبعضها يمكن مشاركته مع صديق أمين.
ضع كل شيء في مكانه الصحيح.
فالصحبة الصالحة ليست فقط أن تجد من يضحك معك، بل أن تجد من يحفظك في غيابك، ويستر عيبك، وينصحك إذا أخطأت، ولا يستخدم معرفته بك ليؤذيك.
وإذا وجدت مثل هذا الإنسان، فاحفظه كما يحفظك، لأن الأمانة في العلاقات ليست شيئًا يُطلب من طرف واحد.
36 مشاهدة