أحياناً يضيع الإنسان سنوات من عمره وهو يطارد أشياء لا تستحق كل هذا الركض: شخصاً لا يهتم، علاقة انتهت، رأي شخص…
أحياناً يضيع الإنسان سنوات من عمره وهو يطارد أشياء لا تستحق كل هذا الركض: شخصاً لا يهتم، علاقة انتهت، رأي شخص آخر، مقارنة مستمرة، أو محاولة لإثبات أنه أفضل مما يظن الآخرون. ثم يأتي يوم يكتشف فيه أن حياته كانت موجودة طوال الوقت، لكنه كان مشغولاً عنها.
وهنا تبدأ المرحلة الملكية.
في هذه المرحلة، لا يصبح الإنسان بارداً أو بلا مشاعر، وإنما يصبح أكثر وعياً بما يستحق مشاعره ووقته. لا يعود كل موقف يستحق ردة فعل، ولا كل شخص يستحق مساحة في قلبه، ولا كل رأي يستحق أن يغير نظرته إلى نفسه.
يبدأ بالانشغال بنفسه. ما أهدافي؟ ما الأشياء التي أريد تطويرها؟ كيف أستطيع تحسين صحتي؟ كيف أستطيع تقوية علاقتي بالله؟ ما الشيء الذي أؤجله منذ سنوات؟ هذه الأسئلة تصبح أهم من سؤال: ماذا يفعل الآخرون؟
ويبدأ السعي الحقيقي. يضع أولوياته، ثم يعمل عليها. لا يسمح للضجيج أن يسرق تركيزه. قد يتقدم ببطء، لكنه يتقدم. وقد يتعثر، لكنه يعود. لأنه لم يعد يبحث عن حياة مثالية، وإنما عن حياة ذات معنى.
وتصبح علاقته بالله سبحانه وتعالى جزءاً من هذا البناء. القرآن، والصلاة، والدعاء، وقراءة سورة البقرة، كلها تصبح مساحة يعود إليها عندما يشعر بالتعب أو الحيرة. ومع الوقت، يصبح القلب أكثر اطمئناناً لأن الإنسان يعلم أن عليه السعي، أما النتائج فبيد الله.
ثم يبدأ في الاعتناء بصحته. يتمرن، يمشي، ينام بشكل أفضل، يهتم بغذائه، ويعطي جسده حقه. لأنه فهم أن النجاح لا معنى له إذا كان الإنسان يهمل نفسه في الطريق.
ويتعلم الاستمتاع باللحظة. لا ينتظر أن يصل إلى هدف معين حتى يسمح لنفسه بالفرح. يحتفل بالتقدم الصغير، يستمتع بيومه، ويعيش التفاصيل التي كان يتجاهلها بسبب التفكير الزائد في المستقبل.
ولا يعود يحمل الحقد. قد يتذكر من أخطأ بحقه، لكنه لا يسمح له بأن يعيش داخله. يضع الحدود، ويتعلم الدرس، ثم يكمل.
كذلك يتوقف عن مقارنة نفسه بالآخرين. يعرف أن لكل إنسان ظروفه ورزقه وتوقيته. يقارن نفسه بنفسه فقط: هل أصبحت أكثر هدوءاً؟ أكثر التزاماً؟ أكثر صحة؟ أقرب إلى الله؟ أكثر شجاعة؟
ويعرف نقاط قوته وضعفه. يستثمر قوته، ويعالج ضعفه، ولا يخجل من الاعتراف بأنه ما زال يتعلم.
ثم يأتي الاختبار الأصعب: الخوف. في المرحلة الملكية لا تختفي المخاوف، لكن الإنسان يتوقف عن طاعتها. يخاف من الفشل لكنه يحاول، يخاف من التغيير لكنه يتقدم، يخاف من البداية لكنه يبدأ.
لأن الحياة التي يحكمها الخوف ليست حياة كاملة. والإنسان الذي استعاد نفسه يعرف أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا عندما تضع قدمك أمامها رغم ارتجافك.