المرء لا يمنح إلا مما يفيض به قلبه
ثمة قاعدة إنسانية تستحق التأمل: المرء غالبًا لا يمنح الآخرين إلا مما يفيض به داخله؛ فالمتعافي يداوي، والناجح يدعم، والسعيد يُلهم، والآمن يُطمئن، والكريم يجبر، والواثق يرفع غيره دون أن يخشى أن ينقص ارتفاعه من مكانته.
وفي المقابل، قد يجرح المجروح، ويُحبط المحبط، ويزدري من يسكنه ؛ لا لأن الآخرين يستحقون ذلك بالضرورة، بل لأن الإنسان يرى العالم أحيانًا من خلال جراحه لا كما هو في حقيقته.
ويفسر جانبًا من ذلك بمفاهيم مثل الإسقاط والمقارنة الاجتماعية وتقدير الذات؛ فالإنسان الذي يشعر بالأمان الداخلي لا يحتاج عادةً إلى تحقير الآخرين ليحافظ على قيمته، بينما قد يلجأ من تهتز صورته عن نفسه إلى الانتقاص والنقد المفرط ليصنع تفوقًا نفسيًا مؤقتًا. ولهذا فإن بعض الكلمات التي تُقال عنك تكشف عن قائلها بقدر ما تصفك أنت.
لكن النضج يقتضي ألا نجعل ذلك ذريعة لرفض النقد؛ فليس كل ناقد حاسدًا، ولا كل مخالف ناقصًا. بعض النقد مرآة، وبعضه إسقاط، والحكمة أن تعرف الفرق بينهما.
وفي المنظور الشرعي، أصل المسألة يبدأ من القلب؛ قال النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». متفق عليه. فاللسان والسلوك وطريقة الاختلاف ليست منفصلة تمامًا عما يسكن الداخل؛ إنها، في كثير من الأحيان، بعض فيضه.
ولذلك قال زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمِ
فالداخل يتسرّب مهما حاول صاحبه إخفاءه؛ يظهر في فرحه لنجاح غيره، وفي موقفه ممن سبقه، وفي رحمته بمن أخطأ، وفي أخلاقه حين يختلف.
فالناجح حقًا نجاحك، لأنه لا يرى الحياة منصةً لا تتسع إلا لشخص واحد. والمتعافي لا يستثمر في جرحك، والسعيد لا يستكثر عليك فرحك، والواثق لا يحتاج إلى تصغيرك كي يشعر أنه كبير.
ولهذا ربما يكون أدق سؤال نختبر به أنفسنا ليس: كيف يعاملني الناس؟ بل: ماذا يفيض مني حين أتعامل معهم؟
18 إعجاب
159 مشاهدة