في كل دولة أزورها، يشدني سؤال النظام الصحي فيها؛ ليس المقارنة السطحية بين من هو «أفضل»، وإنما لفهم الفلسفة التي تُدار بها الأنظمة الصحية.
في زيارة سابقة لروسيا، لفتني حديث عدد من الأكاديميين عن الحوافز المقدمة للأطباء، خصوصًا العاملين في المناطق الريفية والنائية. وعندما عدت لاحقًا للمصادر، وجدت أن جزءًا مهمًا مما سمعته له أساس فعلي في السياسات الروسية.
فمنذ سنوات تبنت روسيا سياسة تستهدف وصول متوسط أجور الأطباء إلى نحو 200% من متوسط الأجر في الإقليم، كما طبقت برنامجًا اتحاديًا لاستقطاب الأطباء للمناطق الريفية والنائية، يقدم حوافز مالية كبيرة، ترتفع كلما زادت صعوبة المنطقة وبعدها، مبادرات إقليمية للسكن والاستقرار.
ليست القضية أن نستنسخ التجربة الروسية، ولا الأمريكية، ولا أي نموذج آخر.
القضية هي الفكرة التي تستحق التأمل:
الطبيب ليس مجرد بند تكلفة في ميزانية المنشأة؛ بل رأس مال بشري استغرق تكوينه سنوات طويلة، وخسارته أو تشتيت جهده له تكلفة على النظام الصحي نفسه.
وهذا مهم ونحن نعيد بناء نموذجنا الصحي.
فإذا كنا نريد نظامًا أكثر كفاءة، فمن الطبيعي أن نراجع الرواتب والحوافز ونربطها بالإنتاجية والجودة والمسؤولية.
لكن ينبغي أن يشمل ذلك الجميع، وأن تكون المعادلة متوازنة بين #الإدارة والخدمة السريرية، وبين من يصمم العمل ومن يقدمه فعليًا للمريض.
لأن خفض جاذبية المهنة الطبية آثاره في ميزانية سنة واحدة.
أثره قد يظهر بعد عشر سنوات عندما نسأل: لماذا لم يعد المتفوقون يختارون الطب؟
ولماذا يصعب استقطاب الأطباء لبعض التخصصات والمناطق؟
ولماذا يبحث الطبيب عن مصدر دخل إضافي بدل أن يستثمر وقته في الممارسة والتدريب والتطوير؟
لدينا في المملكة تجربة تستحق البناء عليها؛ فقد مررنا بمرحلة كان فيها استقطاب الطبيب السعودي والمحافظة عليه هدفًا مهمًا، بالتوازي مع التوسع في كليات الطب وبرامج التدريب ورفع أعداد الكوادر الوطنية.
لذلك، ونحن ننتقل اليوم إلى نموذج صحي جديد، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
كم يكلف الطبيب؟
بل أيضًا:
كم يكلف النظام الصحي أن يفقد طبيبًا مؤهلً
70 مشاهدة