غالباً قبل ما تصاب بأزمة منتصف العمر تجيك أعراض وتغيرات صغيرة ما تنتبه لها في البداية، رغبة مفاجئة في تغيير العمل، ملل من أشياء كنت تستمتع فيها، أحلام قديمة تبدأ ترجع في بالك، أو سؤال يجيك فجأة وأنت تسوق أو قبل النوم، هل أنا فعلاً عايش الحياة اللي كنت أتخيلها؟
يمكن اللي يتغير هنا مب حياتك نفسها، قد ما تتغير نظرتك لها. وأنت صغير، المستقبل يبدو واسع بشكل يخليك تتعامل معه كأنه شيء مضمون.
عندك وقت كفاية لكل شيء تقريباً. تقدر تغير تخصصك، تبدأ مشروع، تسافر، تتعلم شيء جديد، أو حتى تبدأ حياتك من الصفر، لكن كلمة -بعدين - كانت كافية لتأجيل أي شيء.
و هذا الاكتشاف ما يحصل في يوم واحد، غالباً يتسلل لك . تشوف شخص أصغر منك بدأ شيء كنت تؤجله، تسمع عن شخص حقق حلم كنت تتكلم عنه من سنوات، أو تفتح صورة قديمة لك وتستوعب أن عشرين سنة مرت كأنها فترة قصيرة.
وهنا تحصل لحظة غريبة، تنظر إلى نفسك في الصورة وتفكر أن هذا الشخص كان وقتها ينظر إلى المستقبل بالطريقة نفسها اللي تنظر فيها أنت الآن.
كانت أمامه سنوات كثيرة، وخطط مؤجلة، وأشياء يقول عنها - بدري عليها الحين - ثم مرت السنوات وصار ذلك المستقبل هو الماضي اللي تتذكره اليوم.
يمكن هنا تحديداً تبدأ علاقتك بالوقت تتغير. ما عاد المستقبل مجرد مجموعة احتمالات، يصير له حد. وكل ما صار الحد أوضح، بدأت خياراتك تأخذ وزن مختلف.
ما عاد السؤال وش ممكن أسوي في حياتي؟ لأنك نظرياً ممكن تسوي أشياء كثيرة. السؤال الأصعب يصير، أي شيء منها يستحق أن أعطيه جزء من عمري؟
وهذا السؤال يخليك تعيد النظر في أشياء كنت تعتبرها مهمة. يمكن تكتشف أن بعض طموحاتك كانت فعلاً لك، وبعضها كنت تطاردها لأنك تعلمت من بدري أن هذا هو شكل النجاح.
وظيفة معينة، مكانة، دخل، بيت، أو حتى صورة معينة عن الشخص اللي المفروض تكونه.
فجأة ما عاد الإنجاز وحده كافي، تبدأ تحسب تكلفته أيضاً. كم سنة من حياتي يحتاج هذا الشيء؟ وكم شيء ثاني ممكن أفوته وأنا أحاول أوصله؟
يمكن لهذا السبب تظهر بعض التصرفات اللي نسميها أزمة منتصف العمر، شخص يغير مهنته، يرجع لدراسة شيء يحبه، يسافر، يبدأ مشروع، يعيد ترتيب علاقاته، أو يرجع لحلم قديم نسيه سنوات.
من الخارج يظهر كأنه يحاول يرجع للوراء، لكن ربما هو يحاول للمرة الأولى أن ينظر إلى الأمام بصدق.
في بداية حياتك السؤال غالباً يكون - وش ممكن أصير؟ - وبعدها يتحول لـ - وش أبي أصير؟ - وفي مرحلة معينة يتحول إلى سؤال أكثر إزعاج - وش أبي أسوي بالوقت اللي باقي لي؟ -
يمكن لهذا السبب يكون النضج أقل ارتباط بتحقيق ، وأكثر ارتباط بمعرفة ما يستحق وقتنا فعلاً. ما تقدر تعيش كل الاحتمالات. كل حياة تختارها تستبعد حيوات أخرى، وكل سنة تمر ما تقدر تسترجعها.
وربما هذه هي الفكرة اللي ما نفهمها إلا متأخر، أننا ما نملك الوقت أصلاً. نحن فقط نمر من خلاله، وفي النهاية الشيء الوحيد اللي يبقى لنا هو ما اخترنا أن نفعله به.
14 إعجاب
195 مشاهدة