اترك ما بينك وبين الله
في كثير من الخلافات، يظل الإنسان منشغلًا بسؤال واحد: كيف أجعل الطرف الآخر يعرف أنه أخطأ بحقي؟ وقد يقضي وقتًا طويلًا في التفكير في الرد المناسب، أو في الطريقة التي يستطيع بها أن يثبت أنه كان مظلومًا، أو في كيفية جعل الشخص الآخر يشعر بالندم.
لكن هناك راحة كبيرة تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن محاولة إدارة مشاعر الآخرين، ويترك ما بينه وبين الله.
ليس معنى ذلك أن الإنسان يتنازل عن حقوقه، أو يقبل الظلم، أو يسمح للآخرين بتجاوز حدوده. وإنما يعني أن قلبه لا يتحول إلى محكمة لا تتوقف. فهو يفعل ما يستطيع بالطرق الصحيحة، ثم لا يجعل الانتقام شغله الشاغل.
هناك أناس لن يعتذروا مهما انتظرت. وهناك من يرى نفسه دائمًا على حق، حتى عندما يكون الخطأ واضحًا. وهناك من قد يعرف أنه أخطأ لكنه لا يملك الشجاعة للاعتراف. فإذا جعلت راحتك مرتبطة باعتذار شخص آخر، فقد تمنحه سلطة كبيرة على حياتك.
أما عندما تقول: "الله يعلم ما حدث"، فأنت لا تهرب من الحقيقة، بل تضعها في مكانها الصحيح.
الله يعلم الكلمات التي قيلت ولم يسمعها أحد، ويعلم المواقف التي أخفيتها حتى لا تشوه صورة أحد، ويعلم كم مرة ابتلعت غضبك حتى لا تؤذي من أمامك. يعلم أيضًا ما فعلته أنت من خطأ، ولذلك فإن ترك الأمر لله لا يعني أنك تفترض أنك دائمًا على حق؛ بل يعني أنك تطلب العدل من العليم بما في الصدور.
ومن أجمل ما في الأخلاق أن الإنسان يستطيع أن يغادر دون أن يستخدم أسرار الآخرين سلاحًا. يستطيع أن ينهي علاقة دون أن يفضح تفاصيلها. يستطيع أن يبتعد دون أن يجمع الناس حوله ليشرح لهم لماذا فعل ذلك.
ليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله، وليس كل ما حدث يجب أن يتحول إلى قصة عامة.
وقد يكون الإنسان قادرًا على إيذاء من آذاه، لكنه يختار ألا يفعل. ليس خوفًا من ضعفه، وإنما احترامًا لنفسه ولما يؤمن به. فالانتقام قد يمنح لحظة من الرضا، لكنه لا يضمن راحة القلب. أما ضبط النفس، فقد يكون أصعب في لحظته، لكنه يحمي الإنسان من أن يندم على تصرف صدر منه تحت تأثير الغضب.
قال عَنِ ﴾. فالمؤمن لا يُطلب منه أن يكون بلا مشاعر، وإنما أن يحسن التعامل معها. يغضب، لكنه لا يظلم. يتألم، لكنه لا ينتقم بغير حق. يختلف، لكنه لا يتجاوز. يرحل، لكنه لا يحول الرحيل إلى حرب.
والعفو أيضًا لا يعني أن تعطي شخصًا آخر الحق في تكرار الأذى. يمكن أن تعفو وتحافظ على المسافة. يمكن أن تتوقف عن الدعاء عليه، دون أن تعيده إلى حياتك. يمكن أن تتمنى له الهداية والخير، دون أن تفتح الباب الذي أغلقته لحماية نفسك.
وهنا يظهر الفرق بين الحقد والحدود. الحقد يقول: "أتمنى أن يتألم كما تألمت". أما الحدود فتقول: "لن أسمح بتكرار ما يؤذيني". الأول يبقيك متعلقًا بالماضي، والثاني يساعدك على بناء المستقبل.
وحين يرحل الإنسان بهذه الروح، فإنه لا يحتاج إلى انتصار. لأن انتصاره الحقيقي أن يخرج من التجربة محافظًا على قلبه وأخلاقه. أن لا يصبح بسبب شخص مؤذٍ شخصًا مؤذيًا. أن لا يسمح لتصرف سيئ تلقاه أن يغير الطريقة التي يعامل بها الآخرين.
قد لا تحصل على الاعتذار الذي كنت تنتظره، وقد لا ترى الندم الذي تخيلته، وربما لا يعرف الشخص الذي أساء إليك أصلًا مقدار الألم الذي سببه. ومع ذلك يمكنك أن تعيش بسلام.
ليس لأن ما حدث لم يكن مهمًا، وإنما لأن حياتك أكبر من أن تتوقف عنده.
اترك ما بينك وبين الله، وخذ من التجربة درسها، وضع حدودك، واحفظ كرامتك، ثم امضِ.
لا تحمل معك رغبة في الانتقام.