الصبر على النصيب عبادة للقلب
الصبر ليس مجرد انتظار طويل، وليس معناه أن يجلس الإنسان دون حركة حتى تأتيه الأشياء. الصبر الحقيقي أن تواصل حياتك وأنت لا تعرف متى سيأتي ما تتمنى، وأن تعمل دون ضمان للنتيجة، وأن تحافظ على قلبك من اليأس رغم أن بعض الأبواب تأخرت في الفتح.
هناك أوقات يشعر فيها الإنسان أن الدعاء طال، وأن الأمنيات أصبحت ثقيلة، وأن كل شيء يحدث للآخرين بينما هو لا يزال في المكان نفسه. وفي هذه اللحظات تحديدًا تظهر قيمة الصبر؛ لأن الإنسان لا يملك أن يرى المستقبل، ولا يعرف ماذا يحمل الغد.
قد تدعو بشيء معين ولا تراه يتحقق بالسرعة التي تتوقعها، فتظن أن دعاءك لم يُسمع، بينما أنت لا تعرف ما الذي صُرف عنك، ولا تعرف كيف تتغير الظروف من حولك، ولا تعرف ما الذي قد يأتي في المستقبل.
لذلك لا تجعل الاستجابة مرتبطة دائمًا بالشكل الذي تخيلته. الإنسان قد يطلب طريقًا بعينه، بينما يكون الخير في طريق مختلف. وقد يظن أن السعادة مرتبطة بشخص معين، ثم يكتشف لاحقًا أن راحته كانت في الابتعاد عنه. وقد يعتقد أن نجاحه لن يكون إلا في مجال معين، ثم يكتشف موهبته في مكان آخر.
الصبر لا يعني أن تتوقف عن السعي. إذا كنت تبحث عن عمل، ابحث. وإذا كنت تريد تطوير نفسك، تعلم. وإذا كنت ترغب في الزواج، خذ بالأسباب المناسبة. وإذا كنت تريد تحقيق مشروع، خطط ونفذ. لكن لا تجعل كل محاولة غير ناجحة سببًا لتحطيم ثقتك بنفسك.
هناك فرق كبير بين أن تقول: لم أحصل على ما أريد، وبين أن تقول: لن أحصل عليه أبدًا. الأولى تصف الحاضر، أما الثانية فتحكم على المستقبل، ولا أحد يملك معرفة المستقبل.
لذلك عندما تتأخر عليك الأمور، حاول أن تعيش يومك بدل أن تعيش داخل سؤال "متى؟". افعل ما تستطيع اليوم، واترك الغد يأتي بوقته.
لا تجعل انتظار أمنية يمنعك من الاستمتاع بالنعم الموجودة بين يديك. قد يكون لديك أهل يحبونك، وصحة، ووقت، وقدرة على التعلم، وأصدقاء، وفرص لم تنتبه إليها، وكلها أشياء كنت ستتمنى وجودها لو كنت في ظرف مختلف.
الحياة لا تتوقف حتى تأتي الأمنية. ولا ينبغي أن تؤجل سعادتك إلى يوم محدد لا تعرف متى يأتي.
اصبر، ولكن عش. ادعُ، ولكن اعمل. تمنى، ولكن لا تتعلق بالنتيجة إلى درجة تفقد معها سلامك. واترك لله ما لا تستطيع حمله.
ومع مرور الوقت، قد تكتشف أن الصبر لم يكن مجرد طريق للوصول إلى ما تريد، بل كان مدرسة علمتك كيف تكون أكثر هدوءًا، وأقل تعلقًا بالأسباب، وأكثر قدرة على تقبل تغيرات الحياة.
وحينها ستعرف أن بعض النعم لا تأتي في صورة شيء حصلت عليه، بل تأتي في صورة قلب أصبح أكثر طمأنينة، ونفس أصبحت أكثر رضا، وإنسان تعلم أن الخير لا يُقاس دائمًا بسرعة وصوله.