FameBlogs

أجمل الرحيل ما كان بوعي وإيمان

الرحيل ليس مجرد خطوة نبتعد بها عن شخص أو مكان، بل هو قرار داخلي يحتاج إلى قدر كبير من الوعي. فقد يرحل الإنسان بجسده، بينما يبقى قلبه متعلقًا بالماضي، يراجع التفاصيل وينتظر الاعتذار ويتمنى أن تعود الأمور كما كانت. وفي هذه الحالة، لا يكون الرحيل كاملًا؛ لأن الإنسان ترك المكان، لكنه لم يترك ما حدث داخله. أما الرحيل الحقيقي، فهو أن يغادر الإنسان وهو يفهم أن بعض الأشياء انتهت، وأن الاستمرار في مراجعتها لن يغير الماضي. الوعي لا يعني أن الإنسان لا يحزن. بالعكس، قد يكون أكثر الناس وعيًا هم أكثرهم شعورًا بالألم، لكنهم يعرفون كيف يحملون ألمهم دون أن يجعلوه سببًا لإيذاء الآخرين أو تدمير أنفسهم. قد تتألم من شخص، لكنك لا تنتقم. قد تشعر بالغضب، لكنك لا تظلم. قد تكتشف أنك كنت مخطئًا في ثقتك، لكنك لا تتحول إلى شخص لا يثق بأحد. وقد تنتهي علاقة مهمة، لكنك لا تجعل نهايتها دليلًا على أن كل العلاقات سيئة. هذه هي الحكمة التي يحتاجها الإنسان بعد التجارب المؤلمة: أن يأخذ الدرس، ولا يأخذ معه المرارة. قال الله عَنِ ﴾. فالقدرة على التحكم في الغضب ليست أمرًا بسيطًا. الإنسان قد يشعر برغبة قوية في الرد، خصوصًا عندما يعتقد أنه تعرض للظلم، لكن الأخلاق تظهر في اللحظة التي يستطيع فيها أن يرد ثم يختار ألا يتجاوز. وهذا لا يعني أن الإنسان يجب أن يبقى في كل علاقة مهما حدث. هناك فرق بين العفو وبين الاستمرار، وبين حسن الخلق وبين إلغاء الحدود. يمكنك أن تعفو عن شخص، لكنك لا تعود إلى العلاقة. ويمكنك أن تتوقف عن الغضب، لكنك لا تمنح الثقة نفسها مرة أخرى. الحدود ليست حقدًا. والابتعاد ليس كراهية. والرحيل ليس دائمًا هزيمة. أحيانًا يكون الرحيل هو الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان أن يحافظ على ما تبقى من هدوئه. فقد يصل إلى مرحلة يصبح فيها كل حوار بداية لخلاف جديد، وكل محاولة للإصلاح سببًا لمزيد من التعب، وكل عتاب بابًا لمزيد من الجدل. عندها قد يكون الصمت أكثر حكمة من الاستمرار. لكن المهم أن يكون الرحيل منضبطًا بالأخلاق. لا تجعل نهاية العلاقة بداية للتشهير. لا تستخدم أسرار الماضي لتنتقم. لا تتعمد استفزاز من تركته. لا تراقبه لتعرف إن كان نادمًا. ولا تجعل حياتك الجديدة مشروعًا لإثبات أنك أصبحت أفضل بدونه. عش حياتك لأنك تريد أن تعيشها، لا لأنك تريد أن يراك الآخرون. فالإنسان حين يجعل حياته ردًا على شخص آخر، يبقى مرتبطًا به حتى لو ابتعد عنه. أما حين يبني حياته لنفسه، فإنه يتحرر من الحاجة إلى إثبات أي شيء. ولذلك فإن أجمل الرحيل هو الذي لا يحتاج إلى جمهور. لا يحتاج إلى إعلان كبير، ولا إلى كلمات قاسية، ولا إلى محاولة جعل الجميع يعرف من المخطئ. يكفي أن تعرف أنت ما حدث، ويكفي أن يكون الله عالمًا بما في قلبك. وقد يكون أجمل ما تفعله بعد الرحيل أن تدعو الله أن يصلحك ويصلح من اختلفت معه. ليس لأنك تريد العودة، وإنما لأن قلبك لا يريد أن يعيش في حالة كراهية مستمرة. فالعفو يحرر القلب من الخصومة، والحدود تحميه من تكرار الأذى، والإيمان يمنحه مكانًا يضع فيه ما لا يستطيع تغييره. وإذا جاء يوم وشعرت أنك تريد العودة فقط لأنك اشتقت، فتذكر أن الاشتياق شعور وليس قرارًا. قد تشتاق إلى شخص، وإلى مكان، وإلى أيام قديمة، لكن هذا لا يعني أن العودة هي الحل. اسأل نفسك: هل تغير السبب الذي جعلني أرحل؟ هل أصبح الطريق مختلفًا؟ أم أنني فقط أشتاق إلى الذكريات؟

هذا المنشور جزء من حديث على FameBlogs

النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

وردت في 7 منشورات من كاتبين

مجاني على Google Play · لأجهزة Android

اقرأ أيضًا

FameBlogsللحديث بقية في التطبيق حمّل