FameBlogs

هناك عالم نعيش فيه اسمه عالم الأخلاق، وهناك عالم آخر لا يتوقف عن العمل سواء فهمناه أم لم نفهمه: عالم القوانين الطبيعية.

في عالم الأخلاق نقول إن الكذب سيئ، والصدق جيد، والظلم مرفوض، والرحمة فضيلة، والخيانة مذمومة، ومساعدة الآخرين أمر نبيل. لكن في عالم الطبيعة، لا توجد هذه اللغة بالطريقة نفسها. النار لا تسأل من يقترب منها إن كان شخصًا صالحًا. الماء لا يميز بين الغني والفقير عندما يغرق فيه أحد. المرض لا يقرأ سيرة الإنسان الأخلاقية قبل أن يصيبه. والطقس لا يتغير لأن شخصًا قضى حياته في فعل الخير. هذه الحقيقة قد تبدو باردة، لكنها ضرورية لفهم الفرق بين الأخلاق والواقع. نحن بحاجة إلى الأخلاق لأننا نعيش مع بعضنا. لو تركنا البشر يتعاملون فقط وفق القوة والمصلحة، لتحولت العلاقات إلى صراع دائم. لذلك بنينا القوانين والأعراف والمبادئ التي تقول لنا إن هناك أفعالًا يجب أن نفعلها وأفعالًا يجب أن نتجنبها. لكن الطبيعة ليست مجتمعًا بشريًا. لا يمكننا أن نطلب من الجاذبية أن تكون عادلة، أو من الشتاء أن يكون رحيمًا، أو من المرض أن يراعي أخلاق المريض. ومن هنا تأتي مشكلة كبيرة عندما يتوقع الإنسان أن تعمل الحياة كلها وفق مفهوم «الاستحقاق». يقول: أنا لم أؤذِ أحدًا، فلماذا حدث لي هذا؟ السؤال مفهوم من الناحية الإنسانية، لكنه لا يقدم تفسيرًا لقوانين الطبيعة. قد يكون الإنسان رائعًا، ومع ذلك يمرض. وقد يكون مجتهدًا، ومع ذلك يخسر. وقد يكون صادقًا، ومع ذلك يتعرض للخداع. وقد يكون محبًا، ومع ذلك يمر بتجربة عاطفية مؤلمة. هذه الأمور لا تجعل الخير بلا معنى، لكنها تذكرنا بأن الخير ليس درعًا سحريًا يمنع الألم. وفي المقابل، نجاح شخص سيئ لا يجعل الشر قانونًا للنجاح. قد ينجح شخص سيئ لفترة، لكن نجاحه لا يثبت أن أخلاقه هي التي صنعت نجاحه. ربما كانت لديه مهارة معينة، أو فرصة، أو علاقات، أو موارد، أو ظروف ساعدته. إذن لا ينبغي أن نستنتج من النتيجة وحدها أن الأخلاق هي سببها. والأمر نفسه مع الفشل. فشل الإنسان لا يعني تلقائيًا أنه سيئ أو كسول أو غير جدير. قد يكون هناك عشرات العوامل التي لم تكن في يده. هذا الفهم يغير طريقة نظرنا إلى الآخرين وإلى أنفسنا. عندما نرى شخصًا يتألم، لا نفترض مباشرة أنه يستحق ألمه. وعندما نرى شخصًا ناجحًا، لا نفترض تلقائيًا أنه أفضل من الجميع. وعندما نفشل، لا نختصر أنفسنا في النتيجة. وعندما ننجح، لا نختصر الآخرين في فشلهم. الحياة تحتاج إلى قدر من التواضع أمام تعقيدها. نحن لا نعرف دائمًا لماذا حدث الشيء، ولا نملك السيطرة على كل المتغيرات، ولا نستطيع تحويل كل حادثة إلى قصة أخلاقية واضحة. لكننا نستطيع أن نقرر كيف نتصرف. إذا كان العالم لا يضمن لنا العدل، يمكننا أن نكون عادلين مع من حولنا. إذا كانت الطبيعة لا تضمن الرحمة، يمكننا أن نختار الرحمة. إذا كانت دائمًا ما نستحقه، يمكننا على الأقل أن نحاول ألا نكون سببًا في حرمان الآخرين من حقوقهم. وهنا تصبح الأخلاق أكثر قيمة، لا أقل. لأن قيمة الأخلاق ليست في أنها تجبر الكون كله على طاعتها، الإنسان القدرة على اختيار سلوكه وسط عالم لا يضمن له شيئًا. أن تجعل الحياة عادلة، لكنك تستطيع أن تكون عادلًا. قد لا تستطيع منع الألم، لكنك تستطيع ألا تزيد ألم الآخرين. وقد لا تستطيع التحكم في كل ما يحدث، لكنك تستطيع أن تختار من تكون عندما يحدث. وربما هذه هي المساحة الحقيقية التي يمتلكها الإنسان: ليس السيطرة على العالم، بل السيطرة على بعض اختياراته داخله.

هذا المنشور جزء من حديث على FameBlogs

قد لا تستطيع

وردت في 3 منشورات من كاتبين

مجاني على Google Play · لأجهزة Android

اقرأ أيضًا

FameBlogsللحديث بقية في التطبيق حمّل