FameBlogs

الرحمة ليست ضعفًا

يخلط بعض الناس بين الرحمة والضعف، وبين التسامح والعجز، وبين ضبط النفس وعدم القدرة على الرد. لكن الحقيقة أن الإنسان قد يكون قادرًا على الأذى، ومع ذلك يختار ألا يؤذي، وقد يمتلك القدرة على الانتقام، لكنه يقرر أن يترك الأمر، وقد يستطيع أن يرد الكلمة بعشر كلمات أقسى منها، ثم يصمت. وهنا تظهر قيمة الرحمة الحقيقية. فالرحمة ليست أن يكون الإنسان عاجزًا عن إيذاء الآخرين، وإنما أن يمتلك القدرة ثم يستخدمها بحكمة. وليست ، وإنما أن يرفض أن يتحول هو نفسه إلى مصدر للألم لمجرد أنه ذاق الألم من قبل. الإنسان الواعي يدرك أن وراء كل شخص قصة لا يعرف تفاصيلها، وأن بعض التصرفات التي تبدو مستفزة قد تكون خلفها ظروف لا نراها. لذلك لا يسارع إلى إصدار الأحكام، ولا يجعل لحظة غضب واحدة سببًا لتحطيم إنسان أو إهانته أو التقليل منه. ومن أجمل صور الوعي الأخلاقي أن تسأل نفسك قبل أن تتكلم: هل كلماتي ضرورية؟ هل ستصلح شيئًا أم ستزيد الألم؟ هل أقولها لأنني أريد الخير، أم لأنني غاضب وأبحث عن طريقة للانتقام؟ فليس كل ما نستطيع قوله كل حقيقة يجب أن تُقال بالطريقة التي تخطر في أذهاننا. أحيانًا يكون اختيار الكلمات جزءًا من الرحمة، وأحيانًا يكون الصمت أكثر أخلاقية من انتصار لفظي لا يترك وراءه إلا الندم. وقد يظن الإنسان أن قوته تظهر عندما يجعل الآخرين يخافون منه، بينما القوة الأعمق أن يكون قادرًا على السيطرة على نفسه عندما يغضب. أن لا يسمح للحظة انفعال بأن قلبًا، أو تكشف سرًا، أو تدفعه إلى فعل يتمنى لاحقًا لو أنه لم يفعله. الرحمة بهذا المعنى ليست مجرد شعور جميل، وإنما انضباط أخلاقي. هي أن تعرف أين تتوقف، ومتى تصمت، ومتى تعفو، ومتى تبتعد دون أن تؤذي. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح أكثر وعيًا بأثره في الآخرين. فلا يعود يسأل فقط: هل أنا على حق؟ بل يسأل أيضًا: كيف سأستخدم حقي؟ وهل يمكنني أن أمارس حقي دون ظلم؟ وهنا يصبح الوعي طريقًا إلى الأخلاق، وتصبح الرحمة دليلًا على نضج الإنسان لا على ضعفه.
31 مشاهدة

اقرأ واكتب مع مجتمعFameBlogs

منصة عربية للتدوين والقصص: تابع كتّابك المفضلين، واكتب منشورك الأول، وشارك قصتك مع العالم.

مجاني على Google Play · لأجهزة Android

اقرأ أيضًا

FameBlogsللحديث بقية في التطبيق حمّل