من السهل أن تكون لطيفاً مع شخص تحتاج إليه، وأن تكون ودوداً مع من يستطيع مساعدتك، وأن تتحدث عن الوفاء وأنت في…
من السهل أن تكون لطيفاً مع شخص تحتاج إليه، وأن تكون ودوداً مع من يستطيع مساعدتك، وأن تتحدث عن الوفاء وأنت في أمسّ الحاجة إلى وجود الآخرين بجانبك. لكن الاختبار الحقيقي للأخلاق يبدأ عندما تنتهي الحاجة. حين يصبح الإنسان قادراً على الاستغناء عمن وقف معه، عندها يظهر السؤال الحقيقي: هل كان يقدّر الشخص أم كان يقدّر فائدته فقط؟
الخسيس غالباً ما يخلط بين الإنسان وما يقدمه له. فإذا كان يحتاج إلى أحد، رفع من شأنه وأظهر له المحبة والامتنان، فإذا انتهت المصلحة تغيرت المعاملة، وربما انقلب الود إلى جفاء. وقد يصل الأمر إلى إنكار كل المواقف السابقة، وكأن الشخص لم يقدم له شيئاً في حياته.
أما صاحب المروءة فيفصل بين انتهاء الحاجة وانتهاء التقدير. قد لا تستمر العلاقة، وقد تتغير المسافات، وقد يختار كل طرف طريقاً مختلفاً، لكن ذلك لا يجعله ينكر الماضي. فهو قادر على القول إن شخصاً ما كان له فضل عليه في مرحلة معينة، حتى لو لم يعد جزءاً من حياته اليوم.
وهذا من أرقى أشكال الوفاء: أن تعترف بالجميل دون أن تجعل نفسك تابعاً لصاحبه. فالاعتراف بالفضل لا يعني الخضوع، والامتنان لا يعني فقدان الاستقلال. تستطيع أن ترفض طلباً، وأن تضع حدوداً، وأن تنهي علاقة، وفي الوقت نفسه تظل منصفاً تجاه ما كان بينكما.
ومن المؤسف أن بعض الناس لا يكتشفون حقيقة الآخرين إلا بعد أن يقدموا لهم شيئاً ثميناً. قبل المساعدة، يكون الكلام جميلاً والوعود كثيرة، وبعد الحصول على المطلوب تبدأ الأعذار، ثم يقل التواصل، ثم تظهر الانتقادات، ثم قد يتحول صاحب المعروف إلى شخص غير مرغوب فيه.
وهنا ينبغي للإنسان أن يتعلم درساً مهماً: لا تجعل قيمة عطائك مرتبطة برد فعل الآخرين. افعل الخير لأنك اخترت أن تكون صاحب خلق، لا لأنك تضمن أن الطرف الآخر سيكون وفياً. وفي الوقت نفسه، لا تسمح للجحود المتكرر بأن يستنزفك.
فالطيبة لا تعني أن تعطي بلا حدود، والمروءة لا تعني أن تسمح لأحد باستغلالك. يمكنك أن تكون كريماً وحازماً في الوقت نفسه. ويمكنك أن تسامح دون أن تعيد الشخص إلى المكانة نفسها. ويمكنك أن تحفظ المعروف في قلبك، ثم تختار الابتعاد عن إنسان أثبت لك أن العلاقة معه قائمة على المصلحة وحدها.
فالإنسان الحقيقي لا يُقاس فقط بما يفعله عندما يحتاجك، بل بما يفعله بعدما يملك القدرة على عدم احتياجك.