قد يجلس الإنسان طويلًا مع نفسه، يراجع حياته، ويتساءل عن سبب كثرة الهموم والمشكلات التي يعيشها. وقد يكتشف بعد…
قد يجلس الإنسان طويلًا مع نفسه، يراجع حياته، ويتساءل عن سبب كثرة الهموم والمشكلات التي يعيشها. وقد يكتشف بعد تأمل صادق أن جزءًا من معاناته لا يأتي من الظروف وحدها، بل من طريقة تعامله معها، ومن اختياراته، ومن أفكاره وعاداته التي كررها حتى أصبحت جزءًا من حياته.
وهنا يأتي المعنى العظيم في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فالإنسان ليس مجرد متلقٍ للأحداث، بل لديه إرادة واختيار ومسؤولية. صحيح أن في الحياة أمورًا لا يملك الإنسان التحكم بها، وقد يمر بابتلاءات لا يستطيع دفعها، لكن ما يستطيع فعله هو أن يغيّر نفسه، وأن يصلح ما يستطيع إصلاحه، وأن يستعين بالله في كل خطوة.
قد يكون التغيير في ترك عادة سيئة، أو المحافظة على الصلاة، أو إصلاح علاقة، أو رد مظلمة، أو التوقف عن ظلم النفس، أو ضبط الغضب، أو البحث عن عمل، أو طلب العلم، أو السعي في الرزق. وليس التوكل على الله أن يجلس الإنسان منتظرًا أن تتغير حياته دون أن يتحرك؛ بل يسعى ويبذل الأسباب ثم يتوكل على الله.
كثير من الناس يريدون نتائج جديدة مع بقاء حياتهم كما هي. يريدون راحة وهم لا يغيرون أسباب القلق، ويريدون رزقًا وهم لا يسعون، ويريدون علاقات أفضل وهم لا يراجعون أخلاقهم وطريقة تعاملهم، ويريدون النجاح وهم لا يغيرون عاداتهم.
والإسلام لا يدعو الإنسان إلى الاستسلام السلبي، بل يجمع بين الإيمان والعمل. قال الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39].
وعندما يبدأ الإنسان بإصلاح نفسه، قد لا تتغير الظروف فورًا، لكنه يتغير هو. يصبح أكثر صبرًا، وأكثر وعيًا، وأقرب إلى الله، وأكثر قدرة على التعامل مع الابتلاءات. وقد يأتي الفرج من حيث لا يحتسب، وقد تتغير الظروف بالفعل، لكن حتى قبل ذلك يكون الإنسان قد امتلك شيئًا عظيمًا: قلبًا أكثر ثباتًا ونفسًا أكثر صلاحًا.
لذلك لا تجعل انتظار التغيير حجة لترك السعي. ابدأ من نفسك، واستعن بالله، وأصلح ما تستطيع، واترك ما لا تستطيع لله. لا تستطيع أن تتحكم في كل ما يحدث حولك، لكنك تستطيع أن تختار كيف تستجيب، وكيف تسعى، وكيف تعيش.
التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، والإصلاح يبدأ بخطوة صادقة. وما دام الإنسان قادرًا على مراجعة نفسه والرجوع إلى الله والسعي نحو الأفضل، فهناك دائمًا باب مفتوح لبداية جديدة.