كرامة النفس لا يحددها العمل… بل يحددها الإنسان
يُروى أن الجاحظ سمع رجلًا يكنس الطريق وهو يردد بيت حاتم الطائي:
«ونفسُكَ أكرمها فإنك إن تهُن
عليكَ فلن تلقى لها الدهرَ مُكرِما»
فسأله الجاحظ مستغربًا:
وبمَ أكرمتها وأنت تكنس الطرقات؟
فجاءه الرد الذي يختصر معنى عزة النفس:
«أكرمتها عن سؤال لئيم مثلك!»
قد تكون القصة من الروايات الأدبية المتداولة، لكن معناها عميق جدًا: فالعمل الشريف لا يهين الإنسان، وإنما الذي يهينه أن يبيع كرامته، أو يمد يده لمن يذله، أو يقبل المهانة مقابل مصلحة عابرة.
ليس العيب أن تكنس طريقًا، أو تعمل بيدك، أو تبدأ من الصفر، أو تمر بظروف صعبة؛ العيب أن تتنازل عن قيمك وكرامتك لتنال رضا إنسان أو منفعة زائلة.
وكم من إنسان يبدو أمام الناس قويًا سعيدًا، بينما يحمل في داخله حزنًا لا يعرفه أحد، ويتحمل أذىً لا يتحدث عنه، ويخوض معارك بصمت، ثم يخرج إلى الناس بابتسامة وكأن شيئًا لم يكن.
وهنا يأتي جمال الإيمان…
الحمد لله أن الله يعلم القلوب.
يعلم الحزن الذي لم نستطع شرحه، والوجع الذي أخفيناه، والصبر الذي لم يره أحد، والظلم الذي تحملناه، والدمعة التي مسحناها قبل أن يلاحظها الآخرون.
وما أجمل قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
إن لم يفهم الناس صبرك، ولا تنتظر منهم أن يعرفوا حجم ما مررت به. يكفي أن الله يعلم.
أكرم نفسك بالعمل، وأكرمها بالصبر، وأكرمها بالاستغناء عن اللئيم، ولا تسمح لظروف الحياة أن تجعل حاجتك أقوى من كرامتك.
فقد يخسر الإنسان مالًا أو منصبًا أو علاقة أو فرصة، ويستطيع تعويضها إذا خسر احترامه لنفسه، فقد خسر شيئًا أثمن بكثير.
الحمد لله على كل حزن احتسبناه، وعلى كل أذى صبرنا عليه، وعلى كل باب أغلقناه حفاظًا على كرامتنا، وعلى يقيننا بأن ما عند الله لا يضيع.
عِش كريمًا… واعمل شريفًا… واصبر جميلًا؛ فالناس قد لا يعرفون قصتك، ولكن الله يعلمها كاملة.
11 إعجاب
242 مشاهدة