FameBlogs

كنت في فترة من حياتي أقرب للوسوسة والهوس في موضوع الصحة.

أبسطها ما أشرب مشروبات غازية، أمتنع عن المقليات،المعلبات، وأبالغ في النظافة والتعقيم. حتى المستشفى كنت أروح له وأنا ما أشتكي من شيء أحلل فقط لأتأكد أن الأرقام "مثالية" ما يكفيني أن النتيجة طبيعية، ما أبيها قريبة من الحد الأعلى ولا الأدنى، أبيها في المكان الذي أشوفه أنا مثالي. حتى الأسنان، أراجع الطبيب بلا شكوى وأقول له: عالج، نظف، اضبط، أبي كل شيء بأفضل صورة ممكنة. ظاهريًا قد يبدو هذا اهتمامًا بالصحة، لكنه عندي تجاوز الاهتمام وصار أقرب للوسوسة ومحاولة السيطرة على . ثم جاءت سنوات وتجارب مختلفة، وكان حولي أشخاص "سامين" يضغطون عليّ في الاتجاه المعاكس: كل، جرّب، اترك عنك التشدد، أحيانًا بالمزح وأحيانًا بالإلحاح. ومع تغير ظروف الحياة والعمل، اختل الميزان فعلًا في الاتجاه الآخر. صرت أراجع المستشفى لا بحثًا عن الرقم المثالي، بل لأن بعض النتائج أصبحت فعلًا تحتاج انتباهًا. المفارقة أنني عندما أنظر إلى التجربة كلها اليوم، أجد أنها كسرت عندي شيئًا كان يمكن أن يتمدد ويتحول إلى مشكلة أكبر: ذلك الهوس بالصحة والمثالية والسيطرة. وهذا مجرد مثال على شيء أكبر تعلمته من تجربتي: ليست كل تجربة سيئة خيرًا، ولا كل خسارة تستحق أن تقع، ولا ينبغي أن نمجّد الأذى أو نبرره. لكن الإنسان أحيانًا يخرج من سنوات الشدة وقد صُقلت فيه أشياء لم تصقلها سنوات الرخاء. بعض أفكاري اعتدلت، بعض مخاوفي سقطت، وبعض انكشفت لي، وأشياء كنت أظنها فضائل اكتشفت أن الإفراط فيها قد يحولها إلى عبء. لهذا حين أنظر إلى خسائر بعض تجاربي، لا أنكر حجمها ولا أجمّلها. كانت خسائر، وانتهى. لكنها لم تخرج مني بلا مقابل معرفي. الشقاء الإنسان دائمًا، لكنه قد يكشفه لنفسه. والتحديات لا تضمن لك النضج، لكنها تعطيك مادة للنضج إن عرفت كيف تتعامل معها. فالحضارة لا تُبنى بالرخاء وحده، وكذلك الإنسان.
14 مشاهدة

هذا المنشور جزء من حديث على FameBlogs

نقاط ضعفي

وردت في 6 منشورات من 6 كتّاب

مجاني على Google Play · لأجهزة Android

المزيد من Heart | سحر

FameBlogsللحديث بقية في التطبيق حمّل