المعركة التي لا يراها أحد
هناك معارك كثيرة في الحياة نعرف كيف نصفها، لأن لها بداية واضحة ونهاية واضحة، ولأن آثارها تظهر أمام الجميع. لكن هناك نوعًا آخر من المعارك لا يسمع بها أحد، ولا تحتاج إلى صوت مرتفع حتى تكون قاسية. معركة تبدأ داخل الإنسان، وتستمر معه من لحظة استيقاظه حتى يضع رأسه على الوسادة، ثم تعود في اليوم التالي وكأنها لم تنتهِ أصلًا.
يمكن أن يراك الناس وأنت تمشي، تتحدث، تعمل، تضحك، ترد على الرسائل، تجلس مع الآخرين، وربما تمزح معهم أيضًا. بالنسبة لهم يبدو يومك طبيعيًا جدًا. قد لا يخطر ببال أحد أن الشخص الذي يبتسم أمامه أمضى الليل في صراع طويل مع أفكاره، وأن النوم الذي حصل عليه لم يكن راحة حقيقية، بل ساعات متقطعة امتلأت بالقلق والأحلام المزعجة والاستيقاظ المتكرر.
وهنا تبدأ معركة التعايش.
التعايش لا يعني دائمًا أن الإنسان أصبح بخير، ولا يعني أنه تجاوز كل ما يؤلمه. أحيانًا يعني فقط أنه تعلم كيف يحمل ألمه دون أن يسقط أمام الآخرين. تعلم كيف ينهض في الصباح حتى عندما يشعر أن جسده وعقله يطلبان منه البقاء في السرير. تعلم كيف يرتب ملامحه قبل أن يخرج إلى العالم، وكيف يصنع ابتسامة تبدو طبيعية بما يكفي حتى لا تبدأ الأسئلة.
وأحيانًا تكون أصعب لحظة هي لحظة فتح العينين في الصباح.
ليس لأن هناك شيئًا سيئًا حدث في ذلك الصباح تحديدًا، يكون قد عاد مباشرة إلى الأشياء التي لم تنتهِ. مسؤوليات، أفكار، مخاوف، مواقف قديمة، احتمالات سيئة، وأسئلة لا تجد إجابات. يستيقظ الجسد، لكن الراحة لم تصل إليه. وكأن الإنسان لم ينم، بل أخذ استراحة قصيرة من التفكير ثم عاد إليه من النقطة نفسها.
بعدها يبدأ اليوم.
يخرج الشخص إلى عمله أو دراسته أو حياته اليومية، ويتعامل مع الناس كما يفعل الجميع. يسمع كلامًا قد يكون عاديًا بالنسبة للآخرين، لكنه في لحظة معينة يصبح عبئًا إضافيًا عليه. يواجه تصرفات مستفزة، أسئلة كثيرة، مطالب متواصلة، أحاديث لا يرغب فيها، وربما أشخاصًا لا يدركون أن مجرد التعامل معهم يحتاج منه إلى طاقة إضافية.
ومع ذلك، يستمر.
قد يضحك على نكتة لا تضحكه. قد يقول "أنا بخير" لأنه لا يريد شرح ما بداخله. وقد يغير الموضوع عندما يقترب الحديث من حالته الحقيقية. ليس بالضرورة لأنه لا يثق بأحد، وإنما لأنه شيء لا يعرف كيف يشرحه هو نفسه.
فكيف تشرح للآخرين أنك متعب من شيء لا تستطيع تحديده بكلمة واحدة؟
كيف تقول إن المشكلة ليست في هذا الموقف وحده، ولا في هذا الشخص وحده، ولا في هذا اليوم وحده؟ المشكلة أن هناك تراكمًا داخليًا جعلك تصل إلى مرحلة تحتاج فيها إلى الهدوء أكثر من أي شيء آخر.
لكن العالم لا يتوقف.
المواعيد لا تتأجل دائمًا، والعمل لا ينتظر، والناس لديهم احتياجاتهم ومشاكلهم وأسئلتهم. لذلك يتعلم الإنسان أن يؤدي دوره رغم كل شيء. يذهب، يعمل، يتحدث، يبتسم، ويعود إلى منزله.
وعندما يعود، يسقط القناع تدريجيًا.
ليس هناك جمهور يحتاج إلى ابتسامة. لا أحد ينتظر إجابة مقنعة عن سؤال "كيف حالك؟". يصبح بإمكانه أن يصمت، أن يطيل النظر إلى السقف، أن يجلس وحده، وأن يسمح للأفكار التي أخفاها طوال اليوم بالظهور من جديد.
ثم يأتي الليل.
يعتقد أن السرير سيكون المكان الذي تنتهي فيه المعركة، لكنه قد يكون أحيانًا المكان الذي تبدأ فيه جولة جديدة. حين يهدأ كل شيء من حوله، ترتفع الأصوات داخل رأسه. الأشياء التي استطاع تجاهلها طوال النهار تعود بقوة أكبر. يتذكر، يحلل، يتوقع، يخاف، ثم يحاول إقناع نفسه بأن الغد سيكون مختلفًا.
17 مشاهدة