راحة القلب في ترك ما لا يعنيك
من أعظم ما يتعلمه الإنسان مع مرور الأيام أن راحة القلب ليست في أن يعرف كل ما يحدث حوله، ولا في أن يفسر كل كلمة ويسأل عن كل موقف، وإنما في أن يعرف ما ينفعه في دينه ودنياه، وما ينبغي أن يتركه لله دون أن يشغل قلبه به.
وقد أرشدنا الإسلام إلى معنى عظيم حين قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، فليس مطلوبًا من المسلم أن يفتش خلف الناس، أو يبحث عن أسرارهم، أو يجعل حياته قائمة على تتبع التفاصيل التي لا تعنيه. وكذلك جاء في الحديث الشريف: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
كم من أمر أرهقنا لأننا أعطيناه اهتمامًا أكبر مما يستحق. كلمة سمعناها فجلسنا نفكر في معناها، وتصرف رأيناه فأخذنا نبحث عن سببه، وشخص تغير معنا فبدأنا نراجع كل موقف حدث بيننا وبينه. وقد تمر الساعات ونحن نحاول الوصول إلى إجابات ربما لا نحتاج إليها أصلًا.
ليس معنى ذلك أن يعيش المسلم غافلًا عما حوله، فالوعي مطلوب، والحذر مطلوب، ومعرفة الناس وأحوالهم قد تكون ضرورية في بعض المواقف. لكن هناك فرقًا بين الوعي وبين الانشغال، وبين الحكمة وبين الفضول، وبين ملاحظة الأمور وبين جعلها تسكن في القلب.
أحيانًا يكون ترك الأمر لله أريح للنفس من محاولة معرفة كل تفاصيله. فإذا رأيت ما لا يعجبك، فاسأل نفسك: هل أستطيع إصلاح هذا الأمر؟ إن كنت تستطيع، فافعل بالمعروف والحكمة. وإن كنت لا تستطيع، فلا تجعل العجز سببًا في استمرار القلق.
المؤمن يعرف أن الله مطلع على كل شيء، وأن ما خفي عليه لا يخفى على الله. ولذلك لا يحتاج إلى أن يعرف كل ما يدور في صدور الناس. يكفيه أن يصلح نيته، ويحفظ لسانه، ويؤدي ما عليه، ثم يترك ما وراء ذلك لله سبحانه وتعالى.
وقد يكون التجاهل للقلب؛ لأنك عندما تمتنع عن تتبع ما لا يعنيك، فإنك تحفظ وقتك ولسانك وقلبك من أمور كثيرة. فلا تدخل في غيبة، ولا تحمل سوء الظن، ولا تنشغل .
اجعل لنفسك قاعدة بسيطة: ما كان فيه خير لديني أو دنياي فسأهتم به، وما لا يعنيني فسأتركه. وما كان بيني وبين الله فسأصلحه، وما كان بيني وبين الناس فسأتعامل معه بالعدل والإحسان.
فراحة القلب ليست في معرفة كل شيء، بل في الثقة بأن الله يعلم كل شيء. وحين يطمئن القلب إلى علم الله وتدبيره، يصبح ترك كثير من الأمور أسهل، ويصبح الصمت أحيانًا قدمًا أهدأ من الوقوف طويلًا أمام أبواب لا خير فيها.
13 مشاهدة