من طبيعة الإنسان أنه عندما يتألم يريد أن يتحدث. يريد أن يقول: "أنا تعبت"، "أنا مظلوم"، "أنا لا أفهم لماذا حدث…
من طبيعة الإنسان أنه عندما يتألم يريد أن يتحدث. يريد أن يقول: "أنا تعبت"، "أنا مظلوم"، "أنا لا أفهم لماذا حدث هذا"، ويبحث عن شخص يشعر به. وهذا ليس عيبًا، فالإنسان يحتاج إلى من يسانده، وقد يكون الكلام مع الشخص المناسب سببًا في حل مشكلة أو تخفيف ألم.
لكن هناك فرق بين أن تستعين بالناس، وبين أن تجعل الناس ملجأك الأول في كل وجع.
يعقوب عليه السلام قال عندما اشتد عليه الحزن: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. تأمل المعنى العظيم في هذه الآية؛ فالحزن موجود، والوجع موجود، لكن القلب يعرف أين يذهب به أولًا.
قد لا يستطيع الإنسان أن يمنع نفسه من الحزن، لكنه يستطيع أن يختار الباب الذي يطرقُه عندما يحزن.
بعض الناس إذا ضاق بهم الأمر ذهبوا إلى مجالس كثيرة، وأرسلوا رسائل طويلة، وحكوا قصتهم لأشخاص متعددين، وكل واحد يعطي رأيًا مختلفًا. ثم يعود الإنسان من كل ذلك أكثر حيرة من السابق. أحدهم يقول له اصبر، وآخر يقول اترك، وثالث يشعل غضبه، ورابع يذكر له قصة مشابهة، حتى يصبح الأمر الذي كان يؤلمه في البداية أزمة أكبر بسبب كثرة الآراء.
لذلك ليس كل ضيق يحتاج إلى جمهور.
اجلس وحدك أحيانًا، توضأ، صلِّ ركعتين، وارفع يديك إلى الله. قل له ما لا تستطيع قوله للناس. لا تحتاج إلى صياغة مثالية لدعائك؛ الله يعلم ما في قلبك قبل أن تتكلم. وإن عجزت عن الكلام، فدمعتك دعاء، وارتجاف قلبك معلوم، وربك لا يخفى عليه شيء.
ثم إذا احتجت بعد ذلك إلى مشورة أو مساعدة، فاختر إنسانًا واحدًا أو اثنين ممن عرفت عنهم الحكمة والأمانة. لا تجعل كل شخص يدخل في تفاصيل حياتك. ليس لأن الناس كلهم سيئون، وإنما لأن النفوس تختلف، والقلوب تتغير، والعلاقات قد تنتهي.
ومن الفقه في الحياة أن تعرف أن بعض ما تقوله اليوم في لحظة ألم قد تندم عليه غدًا عندما تهدأ. لذلك لا تتحدث وأنت في قمة الغضب، ولا تكتب أسرارك وأنت في ذروة الحزن، ولا تجعل لحظة ضعفك تحدد مقدار ما يعرفه الناس عنك.
استعن بالله أولًا، ثم خذ بالأسباب.
فالمؤمن لا يعيش بلا ألم، لكنه يعرف أين يضع ألمه. ولا يعيش بلا هم، لكنه يعرف من بيده تفريج الهم. ولا يحتاج إلى أن يشرح نفسه للعالم كله، لأنه يعلم أن الله يعرف قصته كاملة.
وحين يكون الله هو أول من تشكو إليه، تصبح فضفضتك للناس -إن احتجتها- طلبًا للمساعدة، لا بحثًا عن قيمة أو أمان لا يستطيع البشر أن يمنحوه لك كاملًا.
49 مشاهدة